من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما شجاعته ونجدته ﷺ
فقد قالوا: الشّجاعة فضيلة قوة الغضب، وانقيادها للعقل، والنّجدة:
ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف؛ فكان النبى ﷺ منهما بالمكان الذى لا يجهل، قد شهد المواقف الصّعبة، وفرّ الكماة والأبطال عنه، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، وقد قدّمنا من أخباره وثباته وحملاته فى يومى أحد وحنين ما تقف عليه هناك. وقد روينا بإسناد متّصل عن البراء، وقد سأله رجل: أفررتم يوم حنين عن رسول الله
صلى الله عليه وسلّم؟ قال: لكن رسول الله ﷺ لم يفرّ، ثم قال:
لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها، والنبى ﷺ يقول: «أنا النبىّ لا كذب» وزاد غيره «أنا ابن عبد المطلب» قيل: فمارىء يومئذ أحد كان أشد منه. وقال غيره: نزل النبى ﷺ عن بغلته.
وذكر مسلم عن العباس قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفّها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى يا للمسلمين.
الحديث. وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله ﷺ. وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: إنا كنا إذا حمى البأس- ويروى اشتدّ البأس- واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه، ولقد رأيتنى يوم بدر، ونحن نلوذ بالنبى ﷺ، وهو أقربنا إلى العدوّ، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا.
وقيل: كان الشجاع الذى يقرب منه ﷺ إذا دنا العدوّ لقربه منه.
وعن أنس قال: كان النبىّ ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس؛ لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصّوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا قد سبقهم إلى الصوت واستبراء الخبر، على فرس لأبى طلحة عرى، والسّيف فى عنقه، وهو يقول: «لن تراعوا». وقال عمران ابن حصين: ما لقى رسول الله ﷺ كتيبة إلّا كان أول من يضرب.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع