من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما جوده وكرمه وسخاؤه وسماحته ﷺ
ومعانيها متقاربة، وقد فرق بعضهم بينها بفروق فجعلوا الكرم: الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه- وسموه أيضا حرّية - وهو ضدّ النّذالة. والسّماحة: التّجافى عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس، وهو ضد الشّكاسة. والسّخاء: سهولة الإنفاق وتجنّب اكتساب ما لا يحمد، وهو الجود، وهو ضد التّقتير؛ فكان رسول الله ﷺ من ذلك بالمحل الأرفع، بهذا جاءت الأحاديث الصحيحة، منها ما رويناه فى صحيح البخارىّ عن ابن المنكدر
قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: ما سئل النبى ﷺ شيئا فقال لا.
وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: كان النبى ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما كان فى شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل ﵉ أجود بالخير من الرّيح المرسلة. وعن أنس أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى بلده وقال: أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخشى فاقة. وقد ذكرنا ما أعطاه ﷺ من غنائم هوازن.
وأخباره ﷺ فى ذلك كثيرة، وعطاياه فاشية، لو استقصيناها لطال بها التأليف، وكان لا يبيت فى بيته دينار ولا درهم. فإن فضل ولم يجد من يعطيه وفجئه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت أهله عاما فقط، من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك فى سبيل الله، ثم يؤثر من قوت أهله حتى يحتاج قبل انقضاء العام؛ ﷺ تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع