من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وقعة النمارق
كانت هذه الوقعة فى سنة ثلاث عشرة، وذلك أن بوران كانت يومئذ على الفرس، فأرسلت إلى رستم بن الفرّخزاذ- وكان على فرج خراسان- فحضر، فتوّجته، ودعت مرازبة فارس أن يسمعوا له ويطيعوا، فدانت له فارس، فكتب رستم إلى الدّهاقين أن يثوروا بالمسلمين، وبعث فى كلّ رستاق رجلا يثور بأهله، فبعث جابان إلى فرات بادقلى، وبعث نرسى إلى كسكر، وواعدهم يوما، وبعث جندا لمصادمة المثنّى، وبلغ المثنّى الخبر فحذر، وعجل جابان ونزل النّمارق، وثاروا، وخرج أهل الرّساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله، وخرج المثنّى من الحيرة، فنزل خفّان لئلّا يؤتى من خلفه، وأقام حتى قدم عليه أبو عبيد، فلمّا قدم أقام أيّاما ليستريح هو وأصحابه، واجتمع إلى جابان بشر كثير بالنّمارق، فسار إليه أبو عبيد، وجعل المثنّى على الخيل، وكان على مجنّبتى جابان جشنس ماه ومردانشاه، فالتقوا واقتتلوا بالنّمارق قتالا شديدا،
فهزم الله الفرس، وأسر جابان؛ أسره مطر بن فضّة التّيمى، وأسر مردانشاه، أسره أكتل بن شمّاخ العكلىّ فقتله. وأمّا جابان فإنّه خدع مطرا، وقال: هل لك أن تؤمنّنى، وأعطيك غلامين أمردين خفيفين فى عملك، وكذا وكذا؟ فخلّى عنه، فأخذه المسلمون، وأتوا به أبا عبيد، وأخبروه أنّه جابان، وأشاروا عليه بقتله؛ فقال:
إنّى أخاف الله أن أقتله، وقد أمّنه رجل مسلم، والمسلمون كالجسد الواحد، ما لزم بعضهم فقد لزم كلّهم، وتركه.
وأرسل فى طلب من انهزم حتى أدخلوهم عسكر نرسى وقتلوا منهم. والله ﷾ أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع