من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر فتح بيروذ من الأهواز
وهى بفتح الباء الموحدة، وسكون الياء المثنّاة من أسفل، وضمّ الراء وسكون الواو وذال معجمة.
قال: لمّا فصلت الخيول إلى الكور اجتمع ببيروذ جمع كثير من الأكراد وغيرهم، وكان عمر رضى الله عنه قد عهد إلى أبى موسى أن يسير إلى أقصى ذمة البصرة كما ذكرنا؛ حتى لا يؤتى المسلمون فى أعقابهم. فسار أبو موسى والتقى معهم فى شهر رمضان، سنة ثلاث وعشرين ببيروز من بين نهر تيرى ومناذر، فقام المهاجر ابن زياد وقد تحنّط، فقاتل حتى قتل، واشتدّ جزع الربيع بن زياد على أخيه المهاجر، وعظم عليه فقده، فرقّ له أبو موسى واستخلفه على جنده.
وخرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان، وكان مع المسلمين بها حتى
فتحت، ثم رجع إلى البصرة، وفتح الربيع بن زياد بيروذ، وغنم ما كان تجمّع بها.
وأوفد أبو موسى وفدا إلى عمر بالأخماس، وطلب ضبّة بن محصن الغنوىّ أن يكون فى الوفد، فلم يجبه أبو موسى، وكان أبو موسى قد اختار من سبى بيروذ ستّين غلاما. فانطلق ضبّة إلى عمر شاكيا، وكتب أبو موسى إلى عمر يخبره، فلمّا قدم ضبّة على عمر سلّم عليه، فقال: من أنت؟ فأخبره، فقال: لا مرحبا ولا أهلا! فقال: أما الرّحب فمن الله، وأمّا الأهل فلا أهل. ثم سأله عمر عن حاله فقال: إنّ أبا موسى انتقى ستّين غلاما من أبناء الدّهاقين لنفسه، وله جارية تغدّى جفنة، وتعشّى جفنة تدعى عقيلة، وله قفيزان، وله خاتمان؛ وفوّض إلى زياد بن أبى سفيان أمور البصرة، وأجاز الحطيئة بألف.
فاستدعى عمر أبا موسى، فلمّا قدم عليه حجبه أيّاما، ثم استدعاه، فسأل عمر ضبّة عمّا قال: فقال: أخذ ستّين غلاما لنفسه. فقال أبو موسى: دللت عليهم، وكان لهم فداء، ففديتهم وقسّمته بين المسلمين، فقال ضبة: ما كذب ولا كذبت، وقال: له قفيزان، فقال أبو موسى: قفيز لأهلى أقوتهم به، وقفيز للمسلمين فى أيديهم يأخذون به أرزاقهم. فقال ضبّة: ما كذب ولا كذبت.
فلمّا ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر، فعلم أنّ ضبّة قد صدقه. قال: وولّى زيادا، قال: رأيت له رأيا ونبلا
فأسندت إليه عملى. قال: وأجاز الحطيئة بألف، قال: سددت فمه بمالى أن يشتمنى، فردّه عمر، وأمره أن يرسل إليه زيادا وعقيلة، ففعل.
فلمّا قدم عليه زياد سأله عن حاله وعطائه والفرائض والسّنن، والقرآن، فرآه فقيها، فردّه، وأمر أمراء البصرة أن يسيروا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة، وقال عمر: ألا إنّ ضبّة غضب على أبى موسى وردّه مراغما، أن فاته أمر من أمر الدنيا يصدق عليه، وكذب فأفسد كذبه صدقه. فإيّاكم والكذب! فإنّه يهدى إلى النّار.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع