من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار سعد بن أبى وقاص ووفاته رضى الله عنه
هو أبو إسحاق سعد بن أبى وقاص، واسم أبى وقاص مالك ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشى الزّهرى.
كان رضى الله عنه سابع سبعة فى الإسلام، أسلم بعد ستة، وهو ابن تسع عشرة سنة.
وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وأحد السّتّة الذين جعل عمر رضى الله عنه الشّورى فيهم، وأخبر أن رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راض.
وكان رضى الله عنه مجاب الدعوة مشهورا بذلك، تخاف دعوته وترجى لاشتهار إجابتها، وذلك
أن رسول الله ﷺ قال فيه: «اللهم سدّد سهمه وأجب دعوته »
. وهو أول من رمى بسهم فى سبيل الله، وذلك فى سريّة عبيدة ابن الحارث، وقد تقدم ذكره فى السيرة النبوية فى الغزوات والسرايا.
وجمع رسول الله ﵊ له بين أبويه فى
قوله ﷺ «ارم فداك أبى وأمّى»
ولم يقل ذلك إلّا له وللزبير بن العوام.
وكان أحد الفرسان الشجعان من قريش، وهو الذى كوّف
الكوفة ونفى الأعاجم وتولّى قتال الفرس كما تقدم ذكر ذلك فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
وكان أميرا على الكوفة، قشكاه أهلها ورموه بالباطل، فدعا على الذى واجهه بالكذب دعوة ظهرت إجابته فيها.
ولمّا جعله عمر بن الخطاب فى أصحاب الشّورى قال: إن وليها سعد فذاك وإلّا فليستعن به الوالى فإنى لم أعزله عن عجز ولا خيانة.
وكلّمه ابنه عمر بن سعد أن يدعو لنفسه بعد مقتل عثمان فأبى.
وكان رضى الله عنه ممّن لزم بيته وقعد فى الفتنة، وأمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشىء حتّى تجتمع الأمة على إمام، فطمع معاوية فيه وفى عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة، فكتب إليهم يدعوهم إلى عونه على الطلب بدم عثمان، ويقول لهم إنهم لا يكفّرون ما أتوه من قتله وخذلانه إلّا بذلك، وقال: إن قاتله وخاذله سواء، فى نثر ونظم كتب به إليهم، فأجابه كلّ واحد منهم يرد عليه ما جاء به من ذلك، وينكر عليه مقالته، ويعرّفه أنه ليس بأهل لما يطلبه، وكان فى جواب سعد:
معاوى داؤك الداء العياءوليس بما تجىء به دواء
أيدعونى أبو حسن علىّفلم أردد عليه ما يشاء
وقلت له اعطنى سيفا قصيراتماز به العداوة والولاء
فإنّ الشّرّ أصغره كبيروإنّ الظّهر مثقله الدّماء
أتطمع فى الذى أعيا علياعلى ما قد طمعت به العفاء!
ليوم منه خير منك حيّاوميتا أنت للمرء الفداء
وأما أمر عثمان فدعهفإنّ الرّأى أذهبه البلاء
وكانت وفاة سعد رضى الله عنه فى قصره بالعقيق، على عشرة أميال من المدينة، وحمل إلى المدينة على رقاب الرجال، ودفن بالبقيع وصلّى عليه مروان بن الحكم، واختلف فى وقت وفاته، فقال الواقدى:
توفى فى سنة خمس وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وقال أبو نعيم مات سنة ثمان وخمسين، وقال الزبير والحسن بن عثمان وعمرو بن على الغلّاس: توفى فى سنة أربع وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين، وذكر أبو زرعة عن أحمد بن حنبل رضى الله عنه قال: توفى وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وروى عن ابن شهاب أن سعد بن أبى وقّاص رضى الله عنه: لما حضرته الوفاة دعا بخلق جبّة له من صوف، فقال: كفّنونى فيها فإنى كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر [وهى علىّ] وإنما كنت أخبؤها لهذا اليوم، رضى الله تعالى عنه وأرضاه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع