من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
سنة ست وأربعين ذكر وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد
وفى هذه السنة مات عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان قد عظم أمره عند أهل الشام ومالوا إليه لغنائه بالروم ولآثار أبيه، فخافه معاوية، فأمر ابن أثال النصرانى أن يحتال فى قتله، [ضمن له أن] ويضع عنه خراجه ما عاش، ويولّيه خراج حمص فلمّا قدم عبد الرحمن من الروم دسّ إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها، فمات بحمص، فوفّى له معاوية.
ثمّ قدم خالد بن عبد الرحمن المدينة، فجلس يوما إلى عروة بن الزّبير فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؛ فقام من عنده وسار إلى حمص فقتل ابن أثال، فحمل إلى معاوية فحبسه أياما وغرمه ديته، ورجع إلى المدينة فأتى عروة فقال له ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتكه ولكن ما فعل ابن جرموز؟ (يعنى قاتل الزبير) فسكت عروة.
وقد روى فى خبر عبد الرحمن بن خالد أن معاوية لمّا أراد البيعة
ليزيد خطب أهل الشام وقال: «يا أهل الشام، إنى قد كبر سنّى وقرب أجلى، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاما لكم، وإنما أنا رجل منكم، فارتؤا رأيكم». فأصفقوا واجتمعوا. وقالوا: رضينا عبد الرحمن ابن خالد. فشقّ ذلك على معاوية وأسرّها فى نفسه، ثم مرض عبد الرحمن فأمر معاوية طبيبا عنده مكينا أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات. ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفيا، هو وغلام له، فرصدا ذلك اليهودى، فخرج ليلا من عند معاوية، ومعه قوم، فهجم عليه المهاجر فهربوا عنه فقتله المهاجر.
وقد قيل إن الذى قتل ابن أثال أو اليهودىّ خالد بن المهاجر بن خالد، وأن عروة بن الزبير، كان يعيّره بترك الطلب بثأر عمه، فخرج خالد ونافع مولاه من المدينة حتّى أتيا دمشق، فرصد الطبيب ليلا عند مسجد دمشق، وكان يسمر عند معاوية، فلما انتهى إليهما ومعه قوم من حشم معاوية، حملا عليهم، فانفرجوا، وضرب خالد بن المهاجر اليهودىّ فقتله، ثم انصرف إلى المدينة، وقال لعروة بن الزبير:
قضى لابن سيف الله بالحقّ سيفهوعرّى من حمل الذّحول رواحله
سل ابن أثال هل ثأرت ابن خالد؟فهذا ابن جرموز فهل أنت قاتله؟
وحج بالناس فى هذه السنة عتبة بن أبى سفيان.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع