من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وقعة كمرجة
قال: ثم إنّ خاقان حصر كمرجة، وهى من أعظم بلدان خراسان، وبها جمع من المسلمين، ومع خاقان أهل فرغانة وأفشينة، ونسف، وطوائف من أهل بخارى، فأغلق المسلمون الباب، وقطعوا القنطرة التى على الخندق، فأتاهم ابن خسرو بن يزدجرد، فقال: يا معشر العرب، لم تقتلون أنفسكم؟ أنا الذى جئت بخاقان ليردّ علىّ مملكتى، وأنا آخذ لكم الأمان، فشتموه، وأتاهم بازغرى، فقال: إنّ خاقان يقول لكم: إنى أجعل من عطاؤه منكم ستمائة ألفا، ومن عطاؤه ثلاثمائة ستمائة، ويحسن
إليكم وتكونون معه، فأبوا ذلك، فأمر خاقان بجمع الحطب الرطب، وأن يلقى فى الخندق ليعبروا عليه. فجمع فى سبعة أيام، فكانوا يلقون الحطب الرّطب، ويلقى المسلمون الحطب اليابس حتى سوّى الخندق بالأرض؛ فأشعل المسلمون فيه النيران، وهاجت ريح شديدة، فاحترق الحطب الذى جمع فى سبعة أيام فى ساعة واحدة، ثم فرّق خاقان على الترك أغناما، وأمرهم أن يأكلوها ويحشوا جلودها ترابا، ويلقوها فى الخندق، ففعلوا ذلك، فأرسل الله تعالى مطرا شديدا، فاحتمل السيل ما فى الخندق، وألقاه فى النّهر الأعظم.
ورماهم المسلمون بالسهام فقتل بازغرى وكان داهية، وكان خاقان لا يخالفه؛ ففرح المسلمون بقتله، وكان عند المشركين مائة من أسرى المسلمين فيهم أبو الحوجاء العتكىّ والحجاج ابن حميد النضرى، وكان عند المسلمين مائتان من أولاد المشركين رهائن فقتلوهم، واستماتوا واشتدّ القتال.
ثم وقع الاتفاق بينهم وبين الترك على أنّ خاقان يرحل عن كمرجة، ويرحلوا هم عنها أيضا إلى سمرقند والدّبوسية، فأجاب أهل كمرجة إلى ذلك، وأخذ كلّ منهم من الطائفتين رهائن من الأخرى على الوفاء، وارتحل خاقان، ثم رحلوا بعده، وسيّر معه كور صول التّركى ليمنعهم ممن يتعرّض إليهم من الترك، فلما
انتهوا إلى الدّبوسية، وكان بها عشرة آلاف مقاتل من المسلمين، أمنوا وأطلق كلّ من الطائفتين ما بيدهم من الرهائن، وكانت مدة حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوما، فيقال: إنهم لم يسقوا إبلهم خمسة وثلاثين يوما.
وفى هذه السنة ارتد أهل كردر، فأرسل إليهم أشرس جندا فظفروا بهم.
وغزا مسلمة التّرك من نحو باب اللّان، فلقى خاقان فى جموعه، فاقتتلوا قريبا من شهر، وأصابهم مطر شديد، فانهزم خاقان ورجع مسلمة.
وغزا معاوية الروم ففتح صلم.
وغزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهرى.
(ذكر عزل أشرس عن خراسان واستعمال الجنيد بن عبد الرحمن، وقتاله الترك)
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع