من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر مسير قحطبة لقتال ابن هبيرة بالعراق وهلاك قحطبة وهزيمة ابن هبيرة
قال: ولما قدم داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة على أبيه منهزما، خرج يزيد نحو قحطبة فى عدد كثير لا يحصى، ومعه حوثرة بن سهيل الباهلى، وكان مروان قد أمدّه به، فسار ابن هبيرة حتى نزل جلولاء، واحتفر الخندق الذى كانت العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء وأقام به، وأقبل قحطبة حتى نزل عكبراء، ودخل دجلة ومضى حتى نزل ما دون الأنبار، وأرسل طائفة من أصحابه إلى الأنبار وغيرها، وأمرهم بإحدار ما فيها من السفن إلى دممّا ليعبر الفرات، فحملوا إليه كل سفينة هناك، فقطع الفرات إلى غربيّة، وذلك لثمان مضين من المحرم، وارتحل ابن هبيرة منصرفا مبادرا إلى الكوفة، فعبر دجلة من المدائن، واستعمل على مقدمته حوثرة وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيرون على جانبى الفرات، فقال قحطبة: إن الإمام أخبرنى أن لى بهذا المكان وقعة، يكون النصر لنا، واستدلّ على مخاضة فعبر منها، وقاتل حوثرة ومحمد بن نباتة فانهزم أهل الشام، وفقد قحطبة فقال أصحابه: من كان عنده علم من قحطبة فليخبرنا به، فقال مقاتل بن مالك العكى: سمعت قحطبة يقول: إن حدث بى حدث فالحسن ابنى أمير الناس، فبايع الناس حميد بن قحطبة لأخيه الحسن، وكان أبوه قد سيّره فى سريّة، فأرسلوا إليه فأحضروه وسلموا الأمر إليه، وكشفوا عن قحطبة فوجدوه فى جدول وحرب بن سلّم فتيلين، فظنوا أن كل واحد منهما قتل
الآخر، وقيل إن معن بن زائدة ضرب قحطبة، لما عبر الفرات على حبل عاتقه فسقط فى الماء، فقال: شدوا يدى إذا أنا مت وألقونى فى الماء، لئلا يعلم الناس بقتلى، وقاتل أهل خراسان فانهزم محمد بن نباتة وأهل الشام، ومات قحطبة وقال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمد أبو سلمة الخلّال، فسلمّوا هذا الأمر إليه، وقيل بل غرق قحطبة. ولما انهزم ابن نباثة وحوثرة لحقا بابن هبيرة فانهزم لهزيمتهم، ولحقوا بواسط وتركوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح وغير ذلك، فأمر الحسن بن قحطبة بجمع ذلك فجمع وغنموه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع