تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر من قتل من بنى أمية بعد مقتل مروان بن محمد

قال: دخل سديف مولى للسفاح عليه وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه السفاح، فقال سديف:

لا يغرنك ما ترى من رجالإن تحت الضلوع داء دويا
للشاعر سديف بن ميمون، من قصيدة «ظهر الحق واستبان مضيا»
فضع السيف وارفع السوط حتىلا ترى فوق ظهرها أمويا

فقال سليمان قتلتنى يا شيخ ودخل السفاح، وأخذ سليمان فقتل، قال:

ودخل شبل بن عبد الله مولى بنى هاشم على عبد الله بن على وعنده من بنى أمية نحو تسعين رجلا على الطعام، فأقبل عليه شبل فقال:

أصبح الملك ثابت الأساسبالبهاليل من بنى العباس
طلبوا وتر هاشم فشفوهابعد ميل من الزمان وباس
للشاعر سديف بن ميمون، من قصيدة «أصبح الملك ثابت الأثاث»
لا تقيلن عبد شمس عثاراواقطعن كل رقلة وغراس
ذلها أظهر التودد منهاوبها منكم كحر المواسى
فلقد غاظنى وغاظ سوائىقربهم من نمارق وكراسى
أنزلوها بحيث أنزلها اللهـ بذات الهوان والإتعاس
للشاعر سديف بن ميمون، من قصيدة «أصبح الملك ثابت الأثاث»
واذكروا مصرع الحسين وزيداوقتيلا بجانب المهراس
والقتيل الذى بحرّان أضحىثاويا بين غربة وتناسى

فأمر بهم عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الانطاع فأكل الطعام عليها، وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا، وأمر عبد الله بن على بنبش قبور بنى أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبى سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجدوا فيه حطاما كالرماد، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا فيه جمجمة، وكان يوجد فى القبر العضو بعد العضو، غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحا، لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط ثم صلبه ثم حرقه وذراه فى الريح، وتتبع بنى أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم، فلم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس، واستصفى ما لهم من أموال وغيرها، فلما فرغ منهم قال:

بنى أمية قد أفنيت جمعكمفكيف لى منكم بالأول الماضى
للشاعر سديف بن ميمون، من قصيدة «بني أمية قد أفنيت جمعكم»
يطيّب النفس إن النار تجمعكمعوضتم من لظاها شر معتاض
للشاعر سديف بن ميمون، من قصيدة «بني أمية قد أفنيت جمعكم»
إن كان غيظى لفوت منكم فلقدرضيت منكم بما ربى به راض

وقيل إن سديفا أفسد الشعر، الذى ذكرناه عنه للسفاح ومعه كانت الحادثة، وقتل سليمان بن على بن عبد الله بن العباس بالبصرة منهم جماعة.

وألقاهم على الطريق فأكلتهم الكلاب، فاختفى من قدر من بنى أمية.

وتشتت شملهم، وكان ممن اختفى منهم عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان ابن عتبة بن أبى سفيان، قال: فكنت لا آتى مكانا إلا عرفت فيه، فضاقت علىّ الأرض فقصت سليمان بن على، وهو لا يعرفنى، فقلت له: لفظتنى البلاد إليك، ودلّنى فضلك عليك، فإما قتلتنى فاسترحت، وإما رددتنى سالما فأمنت، فقال من أنت؟ فعّرفته بنفسى فعرفنى، فقال: مرحبا بك.

حاجتك؟ فقلت: إن الحرم التى أنت أولى الناس بهنّ، وأقربهم إليهن قد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه، فبكى كثيرا ثم قال: بل يحقن الله دمك، ويوفّر مالك. ويحفظ حرمك، ثم كتب إلى السفاح: يا أمير المؤمنين، إنّه قد وفد وافد بنى أمية علينا، وإنّا إنما قتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، فإنّا يجمعنا وإياهم عبد مناف، فالرحم تبل ولا تفل، وترفع ولا توضع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لى فليفعل.

وإن فعل فليجعل كتابا عاما إلى البلدان، شكرا لله تعالى على نعمه عندنا وإحسانه إلينا، فأجابه إلى ذلك. وكتب لهم أمانا، وكان هذا أول أمان بنى أمية.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.