تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر وفاة القائم بأمر الله وشىء من سيرته

كانت وفاته فى ليلة الخميس ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وكان سبب وفاته أنه كان قد أصابه مأشر فافتصد ونام، فانتفخ فصاده وخرج منه دم كثير ولم يشعر، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوّته. فأيقن بالموت وأحضر ولىّ عهده ووصّاه وأحضر نقيب العباسيين ونقيب الطالبيين وقاضى القضاة وغيرهم مع الوزير ابن جهير وأشهدهم على نفسه/ أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم ولىّ عهده.

ولما توفى غسله الشريف أبو جعفر بن أبى موسى الهاشمى، وصلّى عليه المقتدى بأمر الله. ومات وله من العمر ست وسبعون سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام، ومدة خلافته أربع وأربعون سنة وثمانية أشهر إلا أياما. وقيل كان مولده فى ثامن عشر ذى القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة فعلى هذا يكون عمره ستا وسبعين سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام.

وكان جميلا أبيض مشربا بحمرة، حسن الوجه والجسم، ورعا ديّنا زاهدا عالما قوى اليقين بالله تعالى، وله عناية بالأدب ومعرفة

حسنة بالكتابة، ولم يكن يرضى [عن] أكثر ما يكتب من الديوان ويصلح أشياء منه. وكان مؤثرا للعدل والاحسان؛ مريدا لقضاء حوائج الناس؛ لا يرى أن يمنع ما يطلب منه، حكى عن محمد بن على ابن عامر الوكيل قال: «دخلت يوما إلى المخرن فلم يبق أحد إلا وأعطانى قصة فامتلأت أكمامى فقلت فى نفسى لو كان الخليفة أخى لأعرض عن هذه كلّها فألقيتها فى البركة والقائم ينظر ولا أشعر، فلما دخلت عليه أمر الخدم بإخراج الرّقاع من البركة فأخرجت ووقف عليها، ووقّع بأغراض أصحابها ثم قال لى: يا عامى ما حملك على هذا؟ فقلت: خوف الضجر منها! فقال: لا تعود إلى مثلها فإنا ما/ أعطيناهم من أموالنا شيئا.

ومما يحكى من جملة كرمه أن أحد السلاطين فى أيامه سأله أن يتقدّم باعتقال وزرائه وذكر أنهم استولوا على أمواله فخرج توقيعه «ليست دارنا دار حبس وسجن بل هى دار طمأنينة وأمن» وكان له شعر رائق فمنه قوله:

قالوا: الرحيل، فأنشبت أظفارهافى خدّها وقد اعتلقن خضابا
واخضرّ تحت بنانها فكأنماغرست بأرض بنفسج عنّابا

وفى أيامه أسلم من كفار الأتراك ألف خركاه وضحّوا بثلاثين ألف رأس من الغنم وقيل: أكثر من ذلك.

ولم يخلف ولدا لأن ابنه ذخيرة الدين توفى فى ذى القعدة سنة سبع وأربعين وعمره خمس عشرة سنة.

وزراؤه وكتابه: كتب له عميد الرؤساء أبو طالب محمد بن أيوب، ثم رئيس الرؤساء أبو القاسم على بن الحسن بن مسلمة- وزر له ولقّبه بهذا اللقب وبجمال الورى- ووزر له بعده أبو الفتح منصور ابن أحمد بن دارست، ثم فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد ابن جهير. قضاته: قاضى القضاة أبو عبد الله الحسن بن على بن ماكولا البصرى إلى أن مات، فولّى أبا عبد الله محمد بن على الدامغانى شيخ أصحاب أبى حنيفة./ حجّابه: أبو منصور بن بكران ثم أبو عبد الله الحسن بن على المردوسى.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.