من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر عصيان أهل اشبيلية على الأمير عبد الرحمن
قال: وفى سنة خمس وخمسين ومائة خرج أهل إشبيلية عن الطاعة مع عبد الغفار وحيوة بن ملابس، وكان عبد الرحمن قد خرج من قرطبة لحرب شقنا واستخلف عليها ابنه سليمان فأتاه كتابة بخروجهم عن طاعته وعصيانهم عليه واتّفاق من بها من اليمانية على ذلك. فرجع عبد الرحمن إليها ولم يدخل قرطبة، وهاله ما سمع من اجتماعهم وكثرتهم، فقدّم ابنه عمّه عبد الملك ابن عمر، فلما قارب عبد الملك إشبيلية قدّم ابنه أمية ليعلمه حالهم، فرآهم متيقظين فرجع إلى أبيه فلامه أبوه على رجوعه وإظهار الوهن، فضرب عنقه وجميع بنيه وخاصّته وقال: طردنا من المشرق إلى أقصى هذا الصّقع ونحسد على لقمة تبقى الرّمق، اكسروا جفون سيوفكم فالموت أولى أو الظفر! ففعلوا، وحمل أمامهم فهزم اليمانية/ وأهل إشبيلبة فلم يقم بعدها لليمانية قائمة.
وجرح عبد الملك وبلغ الخبر عبد الرحمن فأتاه وجرحه يجرى دما وسيفه يقطر وقد لصقت يده بقائمة سيفه، فقبّل بين عينيه وجزاه خيرا وقال له: يابن عم قد أنكحت ابنى ولىّ عهدى هشاما ابنتك فلانة وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا وكذا، وأولادك كذا وكذا، وأقصعتك وإياهم كذا وكذا، ووليتك الوزارة! وعبد الملك هذا هو الذى ألزم عبد الرحمن بقطع خطبة
المنصور وقال له: تقطعها وإلا قتلت نفسى! وكان قد خطب له عشرة أشهر وقطعها.
قال: وفى سنة سبع وخمسين ومائة سار عبد الرحمن إلى إشبيلية وقتل خلقا كثيرا ممّن كان مع عبد الغفار، وبسبب هذه الوقعة وغشّ العرب مال عبد الرحمن إلى اقتناء العبيد.
وفى سنة ستّ وخمسين سخط الأمير عبد الرحمن على مولاه بدر لفرط إدلاله عليه، وأخذ ماله وسلب نعمته ونفاه إلى الثغور ولم يرع له حقوق الخدمة.
وفى سنة ثمان وخمسين ومائة زا الأمير عبد الرحمن مدينة قورية وقصد البربر الذين كانوا أسلموا عامله إلى شقنا فقتل منهم خلقا كثيرا من أعيانهم!
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع