من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ولاية زهير بن قيس البلوى وقتل كسيلة البربرى
قال: ولما أشير على عبد الملك بن مروان بإرسال الجيش إلى إفريقية، قال: «لا يصلح للطلب بثأر عقبة بن نافع من المشركين إلا من هو مثله فى دين الله ﷿». فاتفق رأيهم على زهير بن قيس، وقالوا: «هو صاحب عقبة وأعرف الناس بسيرته وأولاهم بطلب ثأره». وكان زهير ببرقة مرابطا منذ قفل من إفريقية. فكتب إليه عبد الملك بالخروج على أعنّة الخيل إلى إفريقية. فكتب إليه زهير يستمده بالرجال والأموال. فوجه إليه بالأموال ووجوه أهل الشام.
فلما وصل ذلك إليه أقبل إلى إفريقية فى عسكر عظيم، وذلك فى سنة تسع وستين. فبلغ خبره كسيلة فجمع البربر وتحول عن القيروان إلى ممش. وجاء زهير فأقام بظاهر القيروان ثلاثة أيام حتى استراح وأراح. ثم رحل إلى كسيلة. والتقيا واشتد القتال وكثر القتل فى الفريقين. فأجلت الحرب عن قتل كسيلة وجماعة من أصحابه. وانهزم من بقى منهم. فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه.
وعاد زهير إلى القيروان. فرأى ملك إفريقية ملكا عظيما، فقال: «إنما أحببت الجهاد، وأخاف أن أميل إلى الدنيا فأهلك». وكان عابدا زاهدا. فترك بالقيروان عسكرا ورحل فى جمع كبير يريد المشرق. وكان قد بلغ الروم بالقسطنطينية مسيره من برقة إلى إفريقية وخلوها، فخرجوا إليها فى مراكب كثيرة من جزيرة صقلية.
فأغاروا على برقة وقتلوا ونهبوا. ووافق ذلك قدوم زهير من إفريقية فقاتلهم بمن معه أشدّ قتال. وترجل هو ومن معه وقاتلوا فعظم الخطب.
وتكاثر الروم عليهم فقتل زهير وأصحابه، ولم ينج منهم أحد.
وعاد الروم بما غنموه إلى القسطنطينية.
ولما بلغ عبد الملك قتل زهير عظم ذلك عليه، وكانت المصيبة به كالمصيبة بعقبة. وشغل عبد الملك عن القيروان ما كان بينه وبين عبد الله بن الزبير. فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن النعمان إليها.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع