تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر بناء مدينة آشير

قال: ولما نظر زيرى إلى موضعها قال لأصحابه:

«هذا موضعكم الذى يصلح أن تسكنوه» وعزم على بنائها، وذلك فى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة

أيام القائم بأمر الله بن المهدى. قال: وأمر زيرى بإحضار البنائين والنجارين من حمزة والمسيلة وطبنة. وبعث إلى القائم بأمر الله فى طلب صناع. فبعث إليه برجل لم يكن بإفريقية أعلم منه. وأعانه بعدة كثيرة من الحديد وغيره.

وشرع زيرى فى البناء إلى أن كملت المدينة.

وكانت زناتة قد استطالت على أهل تلك الناحية من أيام بنى الأغلب ثم تزايد ضررهم فى أيام المهدي والقائم.

فلما سمع القائم ببناء زيرى هذه المدينة، حمد الله لى ذلك وقال: «مجاورة العرب خير لنا من مجاورة البربر».

وأعانه وساعده. ثم خرج زيرى إلى طبنة والمسيلة وحمزة، فنقل منها وجوه الناس إلى مدينة آشير.

فعمرت وجاءت حصنا منيعا لا يقاتل إلا من شرقيها- يحميها عشرة من الرجال، ولو لم يكن عليها سور لاستغنت بعلوها عن السور. وفى وسطها عينان تجريان بماء عذب غزير. وامتلأت البلد بالعلماء والفقهاء والتجار.

وتسامع الناس بها. ولم يكن الناس إذ ذاك يتعاملون بالذهب والفضة وإنما بالبعير والبقرة والشاة، فضرب زيرى السكة. وبسط. العطاء فى الجند، وجعل لهم الأرزاق. فكثرت الدنانير والدراهم فى أيدي الناس.

واطمأنت نفوس أهل البادية للحرث والزراعة.

وصانهم زيري مما كان ينالهم من زناتة. وتمكنت العداوة بين صنهاجة وزناتة.

ثم خرج زيري إلى المغرب، وولى أخاه ما كسن بن مناد على آشير. فلما وصل إلى جراوة، خرج إليه صاحبها موسى بن أبى العافية، وكان واليا عليها لعبد الرحمن بن محمد الأموي صاحب قرطبة، بهدية سنية وجوار وغير ذلك. وقال له: «يا مولاي، إنما استعملت نفسى لبنى أمية لأرهب بهم على زناتة، وإذ قد أتانى الله بك وجمع بينى وبينك فأنا عبدك، ومنقطع إليك، وغوثك.

أنت منى قريب، وسيف قريب من أمنع من سيف بعيد».

فقربه زيرى وأدناه وقال له: «اكتب إلى بما يعن لك.

فأنا أمدك بالعساكر متى أردت». فشكا إليه من غمارة وقال: «إنهم قوم على غير مذهب يبيحون المحارم. وقام فيهم رجل يدّعى النبوة، وسنّ سننا من المنكرات».

فرحل زيري إلى غمارة وصحبه موسى، فأوقع بهم. وأخذ الذي يدعى النبوة فوصل به إلى آشير. وجمع عليه الفقهاء فقالوا له: «إن كنت نبيا فما علامة نبوتك؟». فقال:

«اسمى فى القرآن». قالوا: «وما اسمك؟». قال: «اسمى

حم، واسم أبى من الله، وفى القرآن حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

. فأباحوا قتله فقتل.

قال: واتصلت المودة بين زيري والقائم بأمر الله.

وسبب ذلك أبا يزيد لما حاصر المهدية ومنع الميرة عنها، كتب القائم إلى زيرى يعلمه ما الناس فيه من الجهد والغلاء. فبعث إليه زيرى بألف حمل حنطة. وأخرج معها مائتى فارس من صنهاجة وخمسمائة من عبيده. فلما وصل ذلك إلى المهدية، بعث القائم له هدية لم يسمع بمثلها كسا جليلة وخيل مسوّمة بسروج محلاة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.