من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ملكه مدينة بجاية وملك بنى حماد وانقراض دولتهم
وفى سنة ست وأربعين وخمسمائة، سار عبد المؤمن من مدينة مراكش إلى سبتة. وهيأ الأساطيل والناس يعتقدون أنه يدخل الأندلس. ونفّذ أعيان أصحابه إلى جميع القبائل: أن يجمعوا العساكر ويرتبوها. وقطع السابلة عن بلاد شرق المغرب برا وبحرا.
ثم خرج من سبتة فى صفر سنة سبع وأربعين. وتوجه إلى
المشرق مسرعا وطوى المراحل، والعساكر المرتبة تلقاه. فلم يشعر أهل بجاية إلا وهو فى أعمالها، وكانت ليحيى بن العزيز بالله آخر ملوك بنى حماد. وكان مولعا بالصيد واللهو واللعب لا ينظر فى شىء من أمور مملكته بل فوضها لميمون بن حمدون. فجمع ميمون العساكر وخرج عن بجاية. فأقام أياما وأحجم عن اللقاء ورجع ولم يقاتل عساكر عبد المؤمن. واعتصم يحيى بن العزيز بقلعة قسنطينة. وهرب أخوه الحارث فى مركب إلى جزيرة صقلية. ولحقه أخوه عبد الله وجماعة من بنى عمه إلى صقلية.
ودخل عبد المؤمن بجاية وملك جميع بلاد يحيى بن العزيز بغير قتال. ثم نزل إليه يحيى بالأمان فأمنه وأنفذه إلى المغرب، وكان فيها مدة حياته رخى البال.
وانقرضت دولة بنى حماد. وكانت مدة ملكهم منذ ولى حماد مدينة آشير من قبل أبى مناد باديس بن المنصور بن يوسف فى صفر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة مائة سنة وستين سنة. وعدة من ملك منهم تسعة ملوك، وهم حماد بن يوسف بلكين بن زيرى، ثم القائد ابن حماد ثم محسن بن القائد بن حماد، ثم ابن عمه بلكين بن محمد، ثم الناصر بن علناس بن محمد بن حماد، ثم ابنه المنصور، ثم
ابنه باديس بن المنصور ولم تطل أيامه حتى مات، وولى بعده العزيز بالله بن المنصور بن الناصر، ثم يحيى بن العزيز هذا. وعليه انقرضت دولتهم.
وكان يحيى قد اعتقل الحسن بن على بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس- كما ذكرناه. وسر بماناله من أخذ الفرنج بلاده. فلم تطل المدة حتى فاجأه القدر واستلب ملكه. واجتمع الحسن ويحيى فى مجلس عبد المؤمن على بساط واحد. واستصحب عبد المؤمن الحسن معه، وألحقه بخاصته، وأعلى مرتبته. ولم يفارقه فى سفر ولا حضر إلى أن فتح المهدية، فأقر الحسن بها وأمر واليها أن يقتدى برأيه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع