من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفاة السلطان محمد وشىء من أخباره وسيرته
كانت وفاته في الرابع والعشرين من ذى الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان ابتداء مرضه في شعبان، فانقطع عن الركوب، وتزايد مرضه ودام، وأرجف بموته، فلما كان يوم عيد النحر، حضر الناس إلى دار السلطان، فأذن لهم في الدخول، وجلس السلطان وقد تكلف ذلك، حتى أكل الناس وانصرفوا، فلما انتصف الشهر أيس من نفسه، فأحضر ولده السلطان محمودا وقبله وبكيا، وأمره أن يخرج، ويجلس على تخت السلطنة، وينظر في أمور الناس، وكان عمره إذ ذاك قد زاد على أربع عشرة سنة، فقال لوالده: إنه يوم غير مبارك، يعنى من طريق النجوم، فقال السلطان: صدقت يا بنى ولكن على أبيك، وأما عليك فمبارك بالسلطنة، فخرج وجلس على تخت السلطنة وبالتاج والسوارين، وفي يوم الخميس الرابع والعشرين من الشهر أحضر الأمراء، وأعلموا بوفاة السلطان، وخطب لمحمود بالسلطنة.
وكان مولد السلطان محمد في ثامن عشر شعبان سنة أربع وسبعين ودعى له بالسلطنة ببغداد، فى الدفعة الأولى، فى يوم الخميس سابع عشر ذى الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وقطعت،
وأعيدت عدة دفعات كما قدمناه في أخبار بركياروق. وكانت مدة اجتماع الناس عليه بغير منازع، منذ تسلم السلطنة من الأمير إياز أتابك ملكشاه بن بركياروق، ثنتا عشرة سنة وسبعة أشهر.
وأما سيرته فكان ملكا عادلا شجاعا، حسن السيرة؛ فمن جملة ذلك أنه اشترى مماليك من بعض التجار، وأحالهم بالثمن على عامل خوزستان، فأعطاهم البعض، ومطلهم بما بقى، فحضروا مجلس الحكم، وأخذوا معهم غلمان القاضى إلى السلطان، ليحضر معهم إلى مجلس الحكم، فلما رآهم، قال لحاجبه: انظر حاجة هؤلاء فسألهم، فقالوا: لنا خصم يحضر معنا إلى مجلس الحكم، فقال: من هو؟ فقالوا: السلطان؛ وذكروا قصتهم. فأعلمه الحاجب ذلك، فأمر بإحضار العامل إليهم، وغرّمه غرما ثقيلا، ونكل به، ثم كان يقول بعد ذلك: ندمت ندامة عظيمة، حيث لم أحضر معهم إلى مجلس الحكم، فيقتدى بى غيرى، ولا يمتنع أحد عن الحضور إليه، وأداء الحق. ومن عدله أنه كان له خازن يعرف بأبى أحمد القزوينى، فقتله الباطنية، فلما قتل أمر بعرض الخزانة عليه، فعرضت، فإذا درج فيه جوهر نفيس، فقال: إن هذا الجوهر عرض علىّ منذ أيام، وهو في ملك أصحابه، وسلمه إلى خادم له، وأمر بتسليمه إليهم، فسأل عنهم وكانوا غرباء- وقد تيقنوا ذهاب مالهم، وأيسوا منه، فلم يطلبوه، [فأحضرهم] وسلمه إليهم،
وأطلق المكوس والضرائب في جميع البلاد، ولم يعلم منه فعل قبيح، ولا عرف عنه، وعلم الأمراء سيرته، فلم يتجاسروا على الظلم، وكفوا عنه.
وكان له من الأولاد: محمود، وطغرل، ومسعود، وسليمان شاه، وسلجق. تولوا كلهم السلطنة إلا سلجق.
وزراؤه: مؤيد الملك بن نظام الملك. ثم سعد الملك أبو المحاسن، إلى أن قتله، ثم أحمد بن نظام الملك، ثم خطير الملك، وكان في نهاية الجهل، فعزله بعد مدة، وصادره، وولى غيرهم، وممن استوزره:
ربيب الدولة أبو منصور بن أبى شجاع.
ولما توفى السلطان محمد انتقلت السلطنة من العراق إلى خراسان، وذلك أن سنجر شاه لم يبق في البيت أكبر منه، فكان هو السلطان المشار إليه، ولنذكر الآن أخباره؛ لأنه كان ملكا في حياة أخيه، وعظم شأنه، واستولى على عدة ممالك، فإذا انفضت دولته، عدنا إلى ذكر أولاد محمد، [و] غيرهم إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع