تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر مسير الملك مسعود ابن السلطان محمد وجيوش بك وما كان بينهما وبين البرسقى والأمير دبيس بن صدقة

قال: وفى جمادى الأولى سنة ثنتى عشرة وخمسماية برز اقسنقر البرسقى، ونزل بأسفل الرقة فى عسكره، ومن انضاف إليه، وأظهر أنه على قصد الحلة وإخراج الأمير دبيس بن صدقة عنها، وجمع جموعا كثيرة من العرب والأكراد وفرق الأموال الكثيرة والسلاح. وكان الملك مسعود بن السلطان محمد بالموصل عند أتابكه الأمير جيوش بك كما ذكرناه فى أخبار السلطان محمد، فأشار عليهما جماعة بقصد العراق، وقالوا لا مانع دونه، فسارا فى جيوش كثيرة، ومع الملك مسعود وزيره فخر الملك أبو على بن عمار صاحب طرابلس، وقسيم الدولة اقسنقر جد نور الدين الشهيد ومعهم صاحب سنجار، وصاحب أربل، وكرباوى بن خراسان التركمانى صاحب البوازيج.

فلما علم البرسقى بقربهم خافهم، وتجهّز لقتالهم عند ما قربوا من بغداد، فسار إليهم ليقاتلهم، فأرسل إليه الأمير كرباوى

فى الصلح، وأعلمه أنهم إنما جاءوا نجدة له على دبيس، فاصطلحوا وتعاهدوا. ووصل الملك مسعود إلى بغداد، ونزل بدار المملكة، فأتاهم الخبر بوصول الأمير عماد الدين منكبرس المقدم ذكره فى جيش كبير، فسار البرسقى عن بغداد ليحاربه ويمنعه من دخولها، فلما علم منكبرس بذلك قصد النعمانية واجتمع هو والأمير دبيس ابن صدقة واتفقا على المعاضدة والتناصر وقوى كل منهما بصاحبه.

فلما اجتمعا سار الملك مسعود والبرسقى وجيوش بك ومن معهم إلى المدائن للقاء دبيس ومنكبرس، فأتتهم الأخبار بكثرة جمعهما، فعاد البرسقى والملك مسعود وعبرا نهر صرصر، وحفظا المخائض عليه، ونهب الطائفتان السواد نهبا فاحشا، واستباحوا النساء، فأرسل الخليفة المسترشد بالله- وكان قد بويع له بعد وفاة أبيه- إلى الملك مسعود وإلى البرسقى ينكر ذلك، ويأمرهم بحقن الدماء، وترك الفساد، والموادعة والمصالحة. فأنكر البرسقى أن يكون ذلك قد وقع، وأجاب إلى العود إلى بغداد، وعاد، ووقع الصلح والاتفاق بينهما. وكان سبب الاتفاق أن جيوش بك كتب إلى السلطان محمود يطلب الزيادة للملك مسعود ولنفسه، فوصل كتاب الرسول يذكر أنه لقى من السلطان إحسانا كثيرا، وأنه أقطعهم أذربيجان.

فوقع الكتاب إلى منكبرس، فأرسله إلى جيوش بك، وضمن له إصلاح السلطان محمود له وللملك مسعود. وكان منكبرس متزوجا بأم الملك مسعود واسمها سرجهان، فعند ذلك تفرق عن البرسقى

من كان معه، وبطل ما كان يحدث به نفسه من التغلب على العراق بغير أمر السلطان والتحق بخدمة الملك مسعود، واستقر منكبرس فى شحنكية بغداد، وعاد الملك مسعود وجيوش بك إلى الموصل وعاد دبيس إلى الحلة واستقر منكبرس ببغداد، وأخذ فى الظلم والعسف والمصادرات، فاختفى أرباب الأموال، وانتقل جماعة إلى حريم الخلافة خوفا منه، وكثر فساد أصحابه، حتى أن بعض أهل بغداد تزوج بامرأة فلما زفت إليه أتاه بعض أصحاب منكبرس وكسر بابه وجرح الزوج عدة جراحات، وابتنى بالمرأة. فكثر الدعاء على منكبرس وأصحابه واستغاث الناس وأغلقوا الأسواق. فبلغ السلطان ذلك فاستدعاه إليه وحثه على اللحاق به، وهو يغالط ويدافع. فلما بلغ أهل بغداد ذلك طمعوا فيه وهموا به، ففارق بغداد، وسار إلى السلطان.

وظهر من كان قد استتر من الناس.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.