تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر غدر صاحب سمرقند بالخوارزميين

قال: ولما عاد صاحب سمرقند إليها ومعه الشحنة، أقام معه سنة، فرأى صاحب سمرقند من سوء سيرة الخوارزميين ماندم بسببه على مفارقة الخطا، فأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه، ويعود إلى طاعته، وأمر بقتل كل من بسمرقند من الخوارزمية، ممن كان بها قديما وحديثا، وأخذ أصحاب خوارزم شاه، فكان يجعل الرجل منهم قطعتين ويعلقهم فى الأسواق كما يعلق القصاب اللحم. ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته- ابنه خوارزم شاه- فأغلقت الأبواب، ووقفت بجواريها، ومانعت عن نفسها، وأرسلت إليه تقول: «أنا امرأة وقتل مثلى قبيح عليك، وما فعلت معك من الإساءة ما استوجب ذلك منك، ولعل تركى أحمد عاقبة، فاتق الله.» فتركها ووكل بها من يمنعها من التصرف فى نفسها.

ووصل الخبر إلى خوارزم شاه، فعظم عليه، وأمر بقتل كل من بخوارزم من الغرباء، فمنعته أمه من ذلك، وقالت: «هذا بلد قد أتاه الناس من أقطار الأرض ولم يرض كلهم بما كان من هذا الرجل.» فأمر بقتل أهل سمرقند فمنعته من ذلك أيضا، فتركهم.

وأمر عساكره بالتجهز إلى ما وراء النهر، وسيرهم أرسالا، فعبروا جيحون، وعبر هو فى آخرهم، وسار حتى نزل على سمرقند. وأنفذ إلى صاحبها يقول: قد فعلت ما لم يفعله مسلم، واستحللت من دماء المسلمين ما لم يقدم عليه غيرك من مسلم ولا كافر، والآن عفا الله

عما سلف، فاخرج من البلاد وامض إلى حبث شئت. فامتنع من ذلك، فأمر خوارزم شاه بالزحف على سمرقند، فلم يكن بأسرع من أن فتح البلد، وأمر أن لا يتطرق إلى الغرباء بسوء، وأذن لأصحابه فى نهب البلد، وقتل أهله، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام. فيقال أنهم قتلوا من أهل سمرقند مايتى ألف إنسان، وسلم الدرب الذى فيه الغرباء، فلم يعدم منهم أحد، ثم أمر بالكف عن النهب والقتل.

ثم زحف إلى القلعة فرأى صاحبها ماملأ قلبه هيبة ورعبا، فطلب الأمان فلم يجبه خوارزم شاه إلى ذلك، وزحف على القلعة وملكها، وقتل صاحبها صبرا. وقتل معه جماعة من أقاربه، ولم يترك أحدا ممن ينسب إلى الخانية. ورتب فيها وفى سائر البلاد نوابه ولم يبق لغيره بها حكم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.