من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر الغلاء الكائن بالدّيار المصريّة
كان ابتداؤه فى سنة سبع وخمسين وأربعمائة واشتدّ من سنة إحدى وستّين، وقلّت الأقوات فى الأعمال حتّى أكل النّاس الميتة؛ وتزايد فى سنة اثنتين وستّين: وكثر الوباء بالقاهرة ومصر حتّى إنّ الواحد كان يموت فى البيت فيموت فى بقيّة اليوم أو اللّيلة كلّ من بقى فيه. وخرج من القاهرة ومصر جماعة كثيرة إلى الشّام والعراق؛ وأكل بعض النّاس بعضا. ودام ذلك إلى سنة أربع وستّين. وشبّهت هذه السّنين بسنى يوسف ﵇.
قال ابن الهمذانى فى تاريخه: وفى سنة اثنتين وستّين وأربعمائة ورد إلى بغداد من مصر الرّجال والنساء هربا من الجوع والفتنة، وأخبروا أنّ بعضهم أكل بعضا. وورد التّجار ومعهم ثياب صاحب مصر وآلاته وذخائره؛ وكان معهم أشياء كثيرة نهبت عند القبض على الطّائع، فى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة؛ وما نهب فى وقعة البساسيرى.
قال: وخرج من خزانة المستنصر بالله أشياء عظيمة، من جملتها ثلاثون ألف قطعة بلور كبار، وخمسة وسبعون ألف ثوب ديباج خسروانى،
وأحد عشر ألف درع، وعشرون ألف سيف محلاة، وغير ذلك.
قال المؤرخ: ومن جملة ما بلغ من أمر الغلاء أنّ امرأة كان لها حلى باعت ما يساوى ألف دينار بثلاثمائة دينار واشترت به حنطة، فنهبت منها فى الطّريق، فنهبت مع من نهب، فحصّل لها ما جاء رغيفا واحدا.
وحكى أنّ بعض أهل اليسار وقف بباب القصر وصاح واستصرخ إلى أن أحضر بين يدى المستنصر، فقال له: يا مولانا، هذه سبعون قمحة وقفت علىّ بسبعين دينارا، كلّ قمحة بدينار، فى أيامك؛ وهو أنى اشتريت أردبّ قمح بسبعين دينار، فنهب منّى فنهبت مع من مهب، فوقع فى يدى هذه؛ فكلّ قمحة بدينار. فقال المستنصر الآن فرّج الله عن النّاس فإنّ أيّامى حكم لها أنّ القمحة تباع بدينار.
قالوا: ولم يكن هذا الغلاء عن نقص النّيل، وإنّما كان لاختلاف الكلمة وحروب الأجناد، وتغلّب المتغلّبين على الأعمال. وكان النّيل يزيد ويهبط فى كلّ سنة، ولم يجد من يزرع الأراضى؛ وانقطعت الطّرقات برّا وبحرا إلّا بالخقارة الكثيرة، وأبيع الرّغيف الخبز بأربعة عشر دينارا أو درهما. قال الحوانى: وأبيع الأردبّ القمح بمائتى دينار.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع