من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفاة الملك المسعود، صاحب اليمن
كانت وفاة الملك المسعود صلاح الدين أقسيس بن السلطان الملك الكامل، صاحب الحجاز واليمن- فى ثالث جمادى الأولى سنة ست وعشرين وستمائة. ومولده فى شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
وكان بلغه وفاة عمه الملك المعظم بدمشق، فطمع فى الشام. وتجهز جهازا لم يسبقه أحد من الملوك إليه. وذلك أنه نادى فى التجار ببلاد اليمن: من أراد السفر صحبة السلطان إلى الديار المصرية والشام فليتجهز.
فتجهز معه سائر التجار الذين وصلوا من الهند، بالأموال والأقمشة والجواهر. فلما تكاملت المراكب، قال اكتبوا لى [ما] معكم من البضائع، لأحميها من الزكاة. فكتبوها له. فصار يكتب لكل تاجر برأس ماله على بعض بلاد اليمن، واستولى على البضائع. فاجتمعوا واستغاثوا، فلم يسمع شكواهم. فيقال إن نقله كان فى خمسمائة مركب، ومعه ألف خادم، ومائة قنطار من العنبر والعود والمسك، ومائة ألف ثوب، ومائة صندوق فيها الأموال والجواهر.
وركب إلى مكة، فمرض فى طريقه. فما دخل مكة إلا وقد فلج ويبست يداه ورجلاه، ورأى فى نفسه العبر. فلما احتضر بعث إلى رجل مغربى بمكة وقال: والله ما أرضى لنفسى، من جميع ما معى، كفنا أكفّن فيه، فتصدّق على بكفن! فبعث إليه نصف ثوب بغدادى، ومائتى درهم، فكفنوه بهما. ودفن بالمعلّى. ويقال إن الهواء ضرب المراكب فرجعت إلى زبيد، فأخذها أصحابها.
وحكى أن الملك الكامل- والده- سرّ بوفاته. ولما جاء خزنداره إليه، لم يسأله كيف مات، بل قال: كم معك من المال والتحف! وكان الملك المسعود قد استناب باليمن أستاذ داره: عمر بن على ابن رسول. فتزوج زوجته: ابنة صاحب جوزا وملك البلاد. وكتب إلى السلطان الملك الكامل، وجهّز إليه الأموال والتحف. واستقر على حكم النيابة.
ثم استقلّ بعد ذلك بملك اليمن، وتلقب بالملك المنصور. وأرسل رسولا إلى الديوان العزيز فى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، فوصل فى سابع عشر صفر منها، فتلقاه بعض الأمراء ودخل، وقبّل العتبة بالباب النّوبى. وحضر فى اليوم الثالث من وصوله إلى دار الوزير وأدّى رسالته، وأنهى إلى الديوان العزيز استيلاء مرسله على جميع بلاد اليمن، وأنه مخلص فى طاعة الديوان.
وهو يسأل قبول ما سيّره من التحف والهدايا. حكاه ابن الساعى فى تاريخه.
واستمر الملك بالديار اليمانية فيه وفى أولاده من بعده، إلى وقتنا هذا.
وفيها فى جمادى الأولى، توفى ناصر الدين منكورس بن بدر الدين خمارتكين عتيق مجاهد الدين بزان صاحب صرخد. وكان ناصر الدين المذكور صاحب صهيون. وتولى مملكة صهيون بعده ولده مظفّر الدين عثمان.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع