من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر عود السلطان الملك العادل من بلبيس إلى قلعة الجبل
قد ذكرنا أن السلطان كان قد خرج من قلعة الجبل فى سلخ ذى الحجة سنة ست وثلاثين، لقصد الشام. ونزل على بلبيس وأقام بها، إلى سادس عشر المحرم من هذه السنة، ثم رجع.
وكان سبب رجوعه أن الأمراء قصدوا القبض عليه، وتحيّلوا على ذلك، فسألوه أن يعمل كلّ منهم دعوة ويحضّرها للسلطان، ففسح لهم فى ذلك. وحضر عند بعضهم فأكل، ثم قدّم الشراب فشرب، ورأى ما أنكره فقام، ودخل إلى خربشت لقضاء الحاجة، فخرج من ظهر خربشت، وركب فرسا وساق إلى القلعة. فلما طال على الأمراء انتظاره، دخلوا فلم يجدوه فتفرقوا، وعلموا أنه شعر بما أرادوه من اغتياله.
فسيّروا إليه يطلبونه، فأظهر أنه ما دخل إلى القاهرة إلا ليخلّق المقياس ويكسر الخليج، ويعود إليهم. ثم ألجأته الضرورة إلى الخروج،
فخرج إلى العبّاسة فى يوم الخميس الرابع والعشرين من الشهر، وقبض على الأمير فخر الدين بن الشيخ، وزين الدين غازى، وفتح الدين بن الرّكن، ووصل بهم إلى قلعة الجبل بكرة نهار الأحد السابع والعشرين من الشهر. وفى خامس عشرين صفر، توجه الملك الناصر داود من العبّاسة إلى الكرك، وصحبته ابن قليج وجماعة من أمراء مصر.
وفى يوم الخميس، الحادى والعشرين من جمادى الآخرة، عملت والدة الملك العادل وليمة عظيمة فى الميدان تحت قلعة الجبل، لجميع الناس: الخواصّ والعوامّ، ذبحت فيها ألف رأس من الغنم، وجملة من الخيل والبقر والجاموس والإبل، وحلت ما يزيد على مائة قنطار من السّكّر، فى ثلاث فساقى كانت على جانب الميدان مما يلى القلعة، وتفرق الناس ذلك بالأوانى. وكان ذلك فرحا باعتقال الملك الصالح أيوب، فإنه كان قد اعتقل بالكرك- على ما نذكره، إن شاء الله تعالى فى أخباره.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع