تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر وفاة السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى رحمه الله تعالى

قال القاضى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر فى السيرة الظاهرية:

ودخل السلطان دمشق فى خامس المحرم وقد رنّح النصر أعطافه، وروى من دماء الأعداء أسيافه، وقدامه مقدمو التتار قد ركبوا وهم فى القيود عوض شهب الجياد، وبعد أن كانوا مقترنين صاروا مقرنين فى الأصفاد. ونزل بقصره فى الميدان الأخضر، معتقدا أن الدنيا فى يده قد حصلت، والبلاد التى حلها ركابه عنه انفصلت، وأن سعده استخلص له الأيام وأصفاها، والممالك شرقا وغربا لو لم يكن بها غيره لكفاها، وإذا بالمنية قد أنشبت أظفارها، والأمنية وقد وضعت حوبها [و] أوزارها، والعافية وقد شمّرت الذيل، والصحة وقد قالت لطبيه: «أهلك والليل»، ورماح الخط وقد قالت لأقلام الخط: «أصبت فى لبس الحداد من المداد»، والقلوب وقد قالت عند شق الجيوب: «نحن أحق منك بهذا المراد»، والحصون وقد قالت لقصره الأبلق: «ما كان بناؤك على هذه الصورة إلا فألا»

بما تسود الجدران به عند الفجائع من السواد».

قال: وكان ابتداء مرضه الذى اعتل به الوجود، وتباشرت به الأكفان واللحود: ليلة السبت خامس عشر المحرم. فانه ركب وقت العصر من يوم الجمعة رابع عشرة وكأنه مودع لأخدانه ورؤية موكبه وركوب حصانه، ونزل والتاث جسمه بعض التياث، وأصبح وليس عنده ذلك الانبعاث. فلما انقضت مدة أجله، وانطوت صحيفة عمله، قبض الله روحه الزكية، ورجعت إلى ربها راضية مرضية، وذلك بعد الزوال من يوم الخميس سابع عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة.

وكأن نفوس العالم كانت نفسا، وأنزل الله السكينة فلا تسمع إلا همسا، واستصحبت مهابته السكون وخادعت العقول حتى أن ما كان من وفاته كاد كل يحلف أنه ما يكون.

وحمل فى محفة إلى قلعة دمشق فى تلك الليلة، وسكنت الشفاة والألسنة، وتناومت العقول من غير نوم ولا سنة. وجعل فى بعض القاعات بالقلعة على سرير يومأ إليه بالترحم والسلام، ولا يزوره غير الملائكة الكرام.

قال المؤرخ: وتولى غسله وتحنيطه وتصبيره وتكفينه المهتار شجاع الدين عنبر، والفقيه كمال الدين الإسكندرى المعروف بابن المنبجى، والأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار، ثم جعل فى تابوت وعلق فى بيت من بيوت قاعة البحرة بقلعة دمشق. وكانت مدة مرضه، رحمه الله تعالى، ثلاثة عشر يوما، وهى مدة مرض الشهيد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، رحمه الله تعالى.

وأول ما فتحه السلطان بنفسه: فيسارية الساحل، وآخر ما فتحه فيسارية الروم، واستمر بقلعة دمشق إلى أن ابتاع ولده السلطان الملك السعيد دار العقيقى بدمشق بستين ألف درهم، وحصل الشروع فى عمارتها ووضع الأساس فى يوم الأربعاء خامس جمادى الآخرة من السنة. وكانت النفقة على العمارة من ربع أملاكه. وحمل إليها ليلة الرغائب الخامس من شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة، [و] بعد أن صلى عليه فى صحن جامع دمشق ليلا، أدخل من باب البريد وخرجوا به من باب النطاقين إلى تربته وتولى حمله الأمير عز الدين أيدمر نائب السلطنة بالشام والأمير عز الدين الداودار والطواشى صفى الدين جوهر الهندى، وألحده القاضى عز الدين الشافعى.

ولما تمت له سنة من يوم وفاته عملت له الأعزية بالقرافتين، ومدت الأسمطة للقراء والفقراء وفرقت على الزوايا، وحضر الناس على اختلاف طبقاتهم. وقرىء له عدة ختمات، وعمل له بعد ذلك عدة أعزبة بمدرسة الشافعى، والجامع الطولونى، والجامع الظاهرى، والمدارس الظاهرية، والصالحية، ودار الحديث الكاملية، والخانقاه الصلاحية، والجامع الحاكمى، وعمل للتكاررة خوان حضره جماعة من الفقراء والصالحين.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.