من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
واستهلت سنة خمس وتسعين وستمائة [٦٩٥- ١٢٩٥/١٢٩٦]
فى هذه السنة، اشتد الغلاء بالديار المصرية، وكثر الوباء وانتهى سعر القمح إلى مائة درهم وسبعة وستين درهما، عن كل أردب، وقيل إنه بلغ مائة وثمانين. وأعقب ذلك وباء عظيم. وغلت الأسعار فى سائر الأصناف. وبلغ ثمن الفروج عشرين درهما. وسمعت أن بعض الناس اشترى فراريج لمريض عنده، فوزن لحمها، فكان بوزن الدراهم التى اشتراها بها. فتقوّم عليه لحمم الفراريج، الدرهم بدرهم فضة. وبيعت البطيخة، الرطل بأربعة دراهم نقرة. وابيعت السفر جلة، بثلاثين درهما، هذا بالقاهرة ومصر. وأما الصعيد الأعلى، وهو عمل فوص وما يجاوره، فإن القمح لم يزد ثمنه، على خمسة وتسعين درهما الأردب. وأعقب هذا الغلاء بالقاهرة فناء عظيم. كان يحصر من يخرج من باب المدينة من الأموات فى اليوم الواحد، فيزيد على سبعمائة أو نحوها، هذا من داخل المدينة، من أحد الأبواب. والقاهرة بالنسبة إلى ظواهرها، كالشارع الأعظم، والحسينية والأحكار، جزء لطيف. وعجز الناس عن دفن الأموات أفرادا، فكانوا يحفرون الحفرة الكبيرة، ويرص فيها الأموات، من الرجال والنساء، ويجعل الأطفال بين أرجلهم، ويردم عليهم. وبعض الأموات
لم يجدوا من يواريهم فى قبورهم، فأكلتهم الكلاب، وأكل الأحياء الكلاب.
وكان الفناء أيضا بالأعمال البرانية [عن القاهرة ومصر]، حتى خلت بعض القرى وأطراف المدينة، لفناء أهلها بالموت.
ثم انحطت الأسعار بالديار المصرية فى شهر رجب، ونزل سعر القمح إلى خمسة وثلاثين درهما الأردب، والشعير بخمسة وعشرين [درهما الأردب] وكان أكبر أسباب هذا الغلاء وتزايده بالديار المصرية، خلو الأهراء السلطانية من الغلال، وذلك أن السلطان الملك الأشرف، كان قد فرّق الغلال، وأخلى الأهراء منها بالإطلاقات للأمراء وغيرهم، حتى نفد ما فى الأهراء. وقصر النيل بعد ذلك، فاحتاج وزير الدولة إلى مشترى الغلال للمؤونة والعليق، فتزايدت الأسعار بسبب ذلك.
وفيها أيضا، قلّ المطر بدمشق وبلاد حوران، وجفّ الماء حتى شق ذلك على المسافرين. فكان المسافر يسقى دابته بدرهم، ويشرب بربع درهم. فلما اشتد ذلك على الناس، أشار قاضى القضاة، بدر الدين محمد بن جماعة، بقراءة صحيح البخارى بدمشق. وتقرر الاجتماع لسماعه بالجامع الأموى، تحت النسر فى سابع صفر. وطلب الشيخ شرف الدين الغزارى لقراءته. فأنزل الله تعالى
الغيث فى تلك الليلة قبل الشروع فى القراءة. ثم قرىء الصحيح، ووقع المطرفى آخر يوم من كانون الأول، واستمر يومين وبعض ليلة، فاستبشر الناس بذلك وترادف نحو جمعه. ثم جاء بعد ذلك ثلج كثير، فى مستهل شهر ربيع الأول.
ثم ارتفع السعر، وبلغ [سعر] القمح، عن كل غرارة مائة درهم، وخمسة وستين درهما. [واشتد الغلاء بالحجاز] أيضا فأبيعت غرارة الشعير بالمدينة، بسبعمائة درهم، وغرارة القمح بألف [درهم]. وأبيعت بمكة، شرفها الله تعالى، بألف درهم ومائة درهم. ثم جاء المطر بدمشق فى ثانى جمادى الآخرة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع