تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الناصر والأمراء

فى هذه السنة فى أول المحرم ظهرت الوحشة بين السلطان والأمير سيف الدين سلّار، والأمير ركن الدين بيبرس، وكان السلطان قد امتنع من العلامة أياما، وظنّ الناس أن ذلك لمرض اعتراه ثم عبرا له فى ثالث الشهر فتنكر لهما وسبهما، فاستعطفاه وألانا له وقالا: نحن مماليك السلطان ومماليك والده السلطان الشهيد وبناة دولته إلى غير ذلك مما استعطفاه، فخلع عليهما وعلى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جندار. وخرجا من عنده فلما صار بظاهر باب القلعة قويت نفوسهما، وشرعا فى إظهار ما عندهما، وتركا باب القلعة فى تلك الليلة مفتوح الأقفال، ورسما بأن تركب جماعة من العسكر تحت القلعة، فركب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر فى جماعة من مماليكه بعد العشاء الآخرة مظهرين السلاح وشقّ المدينة وخرج من باب زويلة إلى تحت القلعة، وكان قبل ذلك قد انقطع فى داره، وادّعى المرض، فلما كانت هذه الفتنة كان أوّل من ركب وكان ممن ركب أيضا أخوه الأمير سيف الدين سلار فخرج لهم بعض المماليك السلطانية الأوشاقية من الإسطبل، فراشقهم بالسهام ورمى الأمير سيف الدين سموك أخو سلار بسهم فوصل إلى الشباك الذى يجلس فيه السلطان، فشق ذلك على السلطان وكبر لديه،

وبات الأمراء الأكابر فى تلك الليلة على مساطب الدّركاه بباب القلعة متلازمين، ولما فتح باب القلعة وقف أمامه مماليك الأمراء الأكابر وهم مكيّزون سهامهم فى قسيّهم، وظنوا أن المماليك السلطانية يخرجون عليهم إذا فتح الباب، فلم يقع ذلك فصرف الأمراء أكثر مماليكهم، وجلس الأمراء بالدّركاه بباب القلعة وترددت الرسائل بينهم وبين السلطان على لسان الأمير جمال الدين أقش الموصلى والأمير سيف الدين كراي، والأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزورى، وسألوا رضا السلطان والتمسوا منه تسليم بعض الخاصكية الذين نسبوهم إلى تغيير خاطر السلطان، فما وسع السلطان إلا إخماد هذه الفتنة الثائرة فسيّرهم إليهم بعد مراجعات وأيمان أنهم لا ينالهم من الأمر أذى وهم سيف الدين بيبغا التركمانى، وكان من أخص الناس بالسلطان وأقربهم عنده وسيف الدين خاص ترك وسيف الدين بيتمر الحاج فأنزلهم الأمراء لوقتهم من القلعة وتوجهوا إلى جهة القدس ثم دخل الأمراء إلى الخدمة على عادتهم، ولما اتصل خبر هذه الحادثة بالأمير جمال الدين أقش الأفرم كتب إلى الأمراء يلومهم ويعنّفهم على ما وقع من إخراج هؤلاء المماليك ويلتمس إعادتهم، ويقسم أنهم متى لم يعادوا إلى خدمة السلطان حضر هو بهم، وكتب إلى السلطان مطالعة يقول: إن المملوك بلغه أن الخواطر الشريفة تغيّرت على فلان وفلان والمملوك يسأل عود العواطف الشريفة عليهم، وشمولهم بالمراحم السلطانية وإعادتهم إلى الخدمة أو نحو هذا ولما وصل كتاب نائب الشام إلى الأمراء بذلك سألوا السلطان فى إعادة المماليك المذكورين فرسم بإعادتهم

فعادوا، ولم يسكن الأمير سيف الدين بيبغا بالقلعة وإنما سكن بداره بسويقة العزى وما لبث أن مرض ومات فى هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى وفيها فى يوم الإثنين خامس عشر محرم بعد إخراج المماليك السلطانية رسم بإخراج الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جنذار فأخرج من ساعته، وقطع خبره، وبات فى تلك الليلة بظاهر القلعة، ورحل فى يوم الثلاثاء، وولى وظيفة الأمير جاندارية بعده الأمير بدر الدين بكتوت الجوكندار، المعروف بالفتاح، وتوجه الأمير سيف بكتمر إلى الشام بغير إقطاع، فلما وصل إلى غزة عيّنت له الصّبيبة فتوجه إليها واسترخمها وكره المقام بها، فكتب إلى الأبواب السلطانية وإلى الأمراء شكا من وخمها، وسأل نقلته إلى غيرها فعين له صرخد، ثم اتفقت وفاة الأمير شمس الدين سنقرجاه المنصورى نائب السلطنة بصفد فى شعبان فكتب منشورة بإقطاعه وتقليده بنيابة السلطنة بها، فتوجّه إليها، ثم كان من خبره ما نذكره وفيها وصل الأمير فتح الدين بن صبرة من أسر التتار، وقد تقدم ذكر أسره فى بلاد سيس.

وفى هذه السنة طلع النيل بالديار المصرية طلوعا عاما وروى البلاد وزرع وطلع الزرع طلوعا حسنا، فلما كان فى شوال الموافق لبرمهات- وهو وقت كمال الغلال- هبّت ريح جفّفت الزّرع قبل أن يشتد فهاف جميع ما مرت عليه تلك الريح، وهو أكثر الزّرع حتى ترك أكثره بغير حصاد وارتفعت أسعار الغلال بسبب ذلك فبلغ سعر القمح كل أردب تسعين درهما وفيها جرّد جماعة من العسكر الشامى إلى الرحبة فتوجه الأمير علاء الدين أيدغدى شقير فى طائفة من العسكر فى ثانى جمادى الأولى، ثم تلاه الأمير سيف الدين قطلوبك

المنصورى فى رابع عشر الشهر وتوجه الأمير سيف الدين بهادر آحى فى التاريخ المذكور.

وفيها فى يوم الإثنين العشرين من شهر رجب توجه الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام إلى القدس الشريف لقصد الزيارة وتوجّه معه جماعة من أعيان دمشق وعاد إلى دمشق فى تاسع شعبان.

وفيها توجه ركب من الديار المصرية إلى الحجاز الشريف فى السابع والعشرين من شهر رجب صحبة الأمير ركن الدين الكوندكي وجماعة المشار إليه منهم الشيخ نجم الدين بن عبّود ونجم الدين بن الرفعه وغيرهم ووصلوا إلى مكة فى سادس شهر رمضان.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.