تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر الاهتمام بقصد اليمن والاحتفال لذلك وتعيين العساكر المجردة إليه وتأخير ذلك وإرسال الرسل

وفى هذه السنة حصل عزم الأمراء ولاة الأمر على قصد اليمن وتجريد العساكر وتقرر أن يتوجه الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة بالجيوش، وعيّن من يتوجه معه، وعرض رجال الحلقة واحتفل لذلك احتفالا عظيما، ورسم لكل أمير مقدم ألف ومضافيه أن ينشئوا مركبا كبيرا وفلوه برسم حمل الأزواد وحصل الشروع فى ذلك وندب الأمير عز الدين أيبك الشجاعى شاد الدواوين لعمل المراكب فتوجّه إلى الوجه القبلى، وقطع الأخشاب لذلك، وكان سبب هذا العزم ما حصل للملك المؤيد هزبر الدين داود صاحب اليمن من اختصار الهدايا، وإعادة الرسول المتوجه إليه من الأبواب السلطانية بغير جواب، ولما حصل هذا العزم سأل أعيان الكارم مراحم السلطان فى الإمهال إلى أن يتوجه إليه الرسل من الأبواب السلطانية ويعود جوابه، ودخل فى هذا السؤال جماعة من المشايخ فأجيبوا إلى ذلك، وكتب لصاحب

اليمن عن الخليفة المستكفى بالله أمير المؤمنين العباسى والسلطان، وتوجه القاضى شمس الدين محمد بن عدلان الشافعى أحد المفتيين بالقاهرة، وشمس الدين سنقر السعيدى أحد مقدمى الحلقة المنصورة، فتوجها وحملا مشافهة إليه، وتأخر تجهيز العسكر.

وفيها نزل الأمير سيف الدين كراي المنصورى عن إقطاعه بالديار المصرية، وكان إقطاع إمرة مائة فارس، وذلك أنه توجه للصعيد لكشف إقطاعه، وانتهى إلى مدينة إسنا من الأعمال القوصية- وهى من جملة إقطاعه وتجهز منها، وحمل ما يحتاج إليه من الروايا والقرب وغير ذلك، وتوجه هو ومن معه فى البرية لقصد بلاد التاكة فوردت مطالعة متولّى الأعمال القوصية بذلك، فقطع خبره، وأنعم به على الأمير سيف الدين بتخاص، وكان إخراج الإقطاع هو غرض الأمير سيف الدين كراى، ثم رجع الى الأبواب السلطانية بعد أن أوغل فى البرية، وسأل الإعفاء من الإمرة والخدمة، وأن يتوجه إلى القدس الشريف ويقيم هناك- وما علم موجب ذلك- فأذن له فتوجه بحريمه ومماليكه وأقام بالقدس.

وفيها اهتم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار بعمارة دار الوزارة خانقاه ورباطا وتربة لدفنه- اهتماما عظيما، فعمر ذلك عمارة متقنة وحصّل الرخام من كل جهة، ودلّه الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح. على أن بظاهر دورهم بالقصر فساقى من الرخّام الأبيض مدفونة تحت الرّدم، وأخرج منه فسقيتان من الرخام على غاية الكبر والحسن وإتقان الصنعة، وكل منهما قطعة واحدة، وهى طويلة عميقة متسعة الجوف والوسط، ثم تنخرط من طرفها إلى أن ترقّ فيكون طرفها كالمجراة، فأخرجتا وعمل لإخراجهما آلات معينة على ذلك، وحصل التعب فى جرّهما، ثم نشرتا ألواحا وفرش بهما أرض المكان ووقف الأمير ركن الدين على هذا المكان أوقافا متوفرة جليلة المقدار، وعيّن فى هذا الوقف عدّة كثيرة من الفقراء الصوفية، والجند البطالين وغيرهم، ورتّب أن يكون بالمكان شيخين أحدهما بالخانقاه والآخر بالرباط وأئمة ومؤذنين ومقرئين وغير ذلك، وكملت

عمارتها والأوقاف عليها فى سلطنته، وخلع ومات قبل فتحها؛ فأغلقت مدة ثم أمر السلطان الملك الناصر بفتحها ففتحت، ورتب فيها جماعة من الصوفية وغيرهم بالخانقاه والرباط، وأما القبة التى بها المدفن فإنها مغلقة على ما هى عليه لم تفتح إلى أواخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة ولم تستقر جملة الأوقاف على هذا المكان؛ فإن منها ما حلّ ورجع إلى بيت المال، واستقر بعضها فصرف لمن استقر بها من الصوفية وغيرهم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.