من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفاة الأمير سيف الدين بيبغا المعروف
بالتركمانى وأنشأ تربته وما وقف عليها وفى هذه السنة فى العشر الأخير من شعبان توفى الأمير سيف الدين بيبغا الناصرى المعروف بالتركمانى أحد أمراء العشرات بالديار المصرية، وهو من أكابر أخصّاء المماليك السلطانية وأحد من أخرج فى هذه السنة إلى الشام وأعيد، وكان متمكنا عند السلطان خصّيصا بخدمته، لا يتقدم عليه غيره فى وقته، وكان السلطان قد ملّكة جملة من أملاكه بالقاهرة من ذلك تربيعة الجمالون بخط الشرابشين وأجرتها فى كل شهر ألف درهم ومائة درهم واشتريت هذه التربيعة للسلطان بمائتى ألف درهم وأربعين ألف درهم، وحمامى ابن سويد، وقيسارية أخرى وغير ذلك وأنعم عليه بجملة كثيرة من الأموال، والحوايص الذهب والجواهر مما لا يدخل تحت الإحصاء. ولما مات كنت يومئذ فى خدمة السلطان فأمرنى والأمير عزّ الدين الحاج أزدمر رأس نوبة الجمدارية بإيقاع الحوطة على موجوده ففعلت وحرّرت ذلك وعرضت الأوراق على مولانا السلطان وحملت من موجوده وذخائره إلى السلطان ما أمر بحمله ثم أمر لى ببقيّة بيع الموجود أو أن أعمر به تربة
بالقرافة، وقبة على قبره فبادرت إلى امتثال أمره، وشرعت فى ذلك، وجمعت جماعة من المهندسين والصنّاع لقسمة التربة ووضع الأساس، وحضر السلطان إلى التربة بالقرافة، ونزل عن فرسه، ووقف وقسم التربة وخطّها بعصا فى يده ورتبها على حسب ما اقتضاه رأيه الشريف ثم رسم إلى أن أوقف عنه على هذه التربة من الأملاك المذكورة آنفا التى ورثها عن بيبغا، وهى مما كان قد وهبه له، فوقفت تربيعة الجملون وغيرها على مصالح تربة سيف الدين بيبغا بطريق الوكالة عن السلطان، وذلك بمجلسه بحضور قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعى وجماعة من العدول، ولما شرعت فى ترتيب الوقف سألت السلطان- خلّد الله ملكه- أن أرتبه وأوقفه على أيسر الوجوه وأهنئها، وأطيبها فأذن لى فى ذلك، فشرطت فى الوقف أن من مرض من أهل الوقف من إمام ومؤذن ومقرئين وغيرهم أورمد يصرف له معلومه الشاهد به كتاب الوقف بجملته ويستناب عنه فى مدّة مرضه أو رمده من يقوم بوظيفته بنظير نصف معلومه من مال الواقف، وأنّ من حجّ من أهل الوقف يجعل له معلوم أربعة أشهر، ويستناب عنه بنظير نصف معلومه فى مال الوقف، وغير ذلك من التيسيرات، وعرضت، ذلك على السلطان- خلد الله ملكه- فأمر لى بإمضائه، فوقفته على هذا الحكم، وهو باق على ذلك والحمد لله تعالى- والوقف ينمو ويزيد إلى وقتنا هذا.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع