من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وصول أوائل الحاج الذين وقفوا بعرفة فى سنة عشرين وسبعمائة
واستهلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة بيوم السبت المبارك، وفى أول ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين الثالث من المحرم من هذه السنة وصل إلى مصر المحروسة القاضى فخر الدين محمد ناظر الجيوش المنصورة الإسلامية من الحجاز الشّريف بعد أن وقف بعرفة فى يوم الجمعة، ولم يبلغنا أن أحدا ممن وقف بعرفة وصل فى مثل هذا التاريخ، وكما وصل الأمير شمس الدين آقسنقر الناصرى شادّ العمائر من الحجاز فى سابع المحرم سنة تسع عشرة وسبعمائة- كما تقدم- استعظم الناس ذلك، وكان الناس قبل ذلك إذا أسرع من يحضر منهم بالبشارة يصل يوم عاشوراء.
ولما وصل القاضى شمس الدين توجّهت إليه، وسلّمت عليه، وسألته عن خبر سفره فى ذهابه وإيابه، فأخبرنى أنه ركب من داره بمصر المحروسة فى سادس عشر شوال سنة عشرين وسبعمائة، وتوجه إلى زيارة الخليل ﵊، فزاره، وتوجه إلى بيت المقدس، وأقام به أياما، وأحرم من بيت المقدس، ووصل مكّة شرّفها الله تعالى، فأقام بها شهرا كاملا، ووقف يوم الجمعة بعرفة، وتعجّل من منى فى يوم الاثنين ثانى عشر من ذى الحجة، ووصل إلى المدينة النّبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- فى يوم الجمعة السادس عشر من الشهر، فصلّى الجمعة، وخرج منها فى يوم السبت السابع عشر، وساق على الدّرب الشامى مراحل، ثم عطف إلى أيلة، ومنها إلى مصر، فكانت مدة مسيرة من منى إلى مصر واحدا وعشرين يوما، منها مقامه بالمدينة النبوية- شرفها الله تعالى.
ومع هذا السّوق الشّديد، والسّير العنيف، كان من خبره عند وصوله إلى منزله أنه طلب المياومات التى أنفقت فى غيبته، مما يتعلق بالجيوش، فتصفحها، وتأملها، وشطب منها على حسابه ما يحتاج إلى شطبه، ثم ركب [فى الثلث الأخير] من الليلة المذكورة إلى قلعة الجبل المحروسة، وجلس على بابها إلى أن فتحت بعد طلوع الفجر، ودخلها، وانتهى إلى الأبواب السلطانية، [فدخل بعض الجمدارية إلى السلطان] وأخبره بوصوله، فأنكر السلطان ذلك؛ لخروجه عن العادة. فأعيد عليه القول أيضا بوصوله، ثم قيل له: إنه قد وصل إلى الباب الشريف، فأذن له، وعجب من سرعة وصوله، وجلس بين يدى السلطان، وباشر وظيفته على عادته لوقته، ثم خلع عليه فى اليوم الثانى من مقدمه. وتأخر وصول نائب السلطنة إلى يوم الأربعاء الثانى عشر من شهر المحرم، وهذا السوق الذى ساقه القاضى «فخر الدين» ما ساقه حاجّ قبله.
وأما غير الحاج، فبلغنى من الثقات أن الشيخ شرف الدين بن القسطلانى- رحمه الله تعالى- لما أرسله الشريف الأمير نجم الدين أبو نمى أمير مكة- شرفها الله تعالى- منها إلى السلطان الأشرف صلاح الدين خليل بن السلطان الملك المنصور قلاوون، وصل إلى قلعة الجبل المحروسة فى اليوم الثالث عشر من يوم مسيره من مكة، واجتمع بالسلطان، وقرأ كتابه، وكتب جوابه فى يومه.
وسأله السلطان عن راحلته: هل يعود عليها إلى مكة؟ فقال: إنها خلأت، فأمره السلطان أن يختار لنفسه راحلة من الهجن السلطانية، فاختار منها هجينا، وترك راحلته، وركب وعاد فى بقية يومه إلى مكة شرفها الله تعالى بعد مضى اثنى عشر يوما، فكانت مدة غيبته عن مكة منذ ركب منها إلى أن عاد إليها ثلاثة وعشرين يوما كوامل، ويوم خروجه/ منها، ويوم دخوله إليها، وهذا ما لم يسمع بمثله، ولا استطاعه أحد قبله، والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع