من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر عمال اليمن فى الدولة العباسية
لما بويع أبو العباس السفاح بالخلافة فى سنة اثنين وثلاثين ومائة بعث على الحجاز واليمن عمه داود بن على بن عبد الله بن العباس، فاستخلف داود على اليمن عمر بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب العدوى القرشى، فمكث خمسة أشهر ومات، فاستعمل أبو العباس على اليمن محمد بن زيد بن عبد الله بن زيد بن عبد المدان الحارثى، فقدمها لسبع مضين من شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث أخا له على عدن، وقصد إحراق المجذومين بالنيران بصنعاء، وجمع لهم الحطب، فمرض أياما يسيرة ومات قبل إحراقهم، ومات أخوه بعدن، وكانت ولاية محمد بن زيد خمسة أشهر/ فبعث السفاح عبد الله بن مالك الحارثى، فمكث أربعة أشهر ثم عزله واستعمل على بن الربيع بن عبد الله بن عبد المدان، فولى أربع سنين وأشهرا.
فلما استخلف أبو جعفر المنصور استعمل على اليمن عبد الله بن الربيع/ ابن عبد الله بن عبد المدان الحارثى، فأقام مدة وسار نحو المنصور، واستخلف ابنه، فأقام باليمن حتى قدم عليه معن بن زائدة الشيبانى فى شهر ربيع الأول
سنة أربعين ومائة، وقيل سنة اثنتين وأربعين، وبعث معن ابن عم له يقال له سليمان إلى المعافر، فقتلوه، فغزاهم، فقتل منهم وأكثر، ثم انتقضت حضرموت على معن فسار إليهم، وأوقع بهم عدة وقعات قيل بلغت قتلاهم خمسة عشر ألفا، فأعظم الناس ذلك، ثم رجع إلى صنعاء وكتب إلى المنصور بذلك فاستصوب فعله؛ لأنهم بقية الخوارج الذين قتلوا أهل قديد ومن أهل المدينة.
ثم سار معن إلى المنصور، واستخلف ابنه زائدة، فلما قدم العراق استعمله المنصور على سجستان، فكانت ولايته اليمن- بمقام ابنه- تسع سنين.
وبعث المنصور على اليمن الضّراب بن سالم العبسى، فمكث ثلاث سنين، ثم عزله بيزيد بن منصور الحميرى ابن خال المهدى، وذلك فى سنة أربع وخمسين ومائة، فأقام بقية خلافة أبى جعفر، وأقره المهدى بعده، فلما كان الموسم كتب إليه بموافاته ففعل، واستخلف عبد الخالق بن محمد الشهابى فولى شهرين ونصفا، وقدم عليه رجاء بن روح الجذامى فى ذى الحجة سنة تسع وخمسين ومائة فأقام رجاء ثلاثة عشر شهرا.
ثم بعث المهدى على اليمن على بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس، فقدمها فى المحرم سنة إحدى وستين ومائة، فأقام إلى سنة اثنتين وستين، وسار نحو العراق/ واستخلف رجلا يقال له واسع بن عقيمة، فأقام أحد عشر شهرا، ثم بعث إلى اليمن عبد الله بن سليمان أخا على، فقدم
لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين ومائة، فأقام سبعة عشر شهرا، وبعث المهدى منصور بن زيد بن منصور الحميرى، فقدم فى سنة خمس وستين [وماية]، فمكث سنة، ثم عزله بعبد الله بن سليمان النوفلى فمكث سنة، ثم عزله بسليمان بن يزيد بن عبد المدان فأقام بقية خلافة المهدى.
فلما ولى الهادى- فى المحرم سنة تسع وستين ومائة- استعمل عبد الله ابن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عباس، ثم عزله بإبراهيم بن سليمان بن قتيبة بن مسلم الباهلى، فمكث أربعة أشهر، وتوفى الهادى.
فلما ولى الرشيد فى شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة استعمل خاله الغطريف بن عطاء فقدم اليمن والفتنة ثائرة بين الجند وأهل صنعاء، فأصلح أمرهم، وأقام على اليمن ثلاث سنين وتسعة أشهر، ثم سار نحو الرشيد واستخلف عبّاد بن محمد الشهابى، فبعث الرشيد على اليمن الربيع بن عبد الله ابن عبد المدان فقدم آخر سنة أربع وسبعين، فمكث سنة ثم عزله الرشيد بعاصم ابن عتبة الغسانى، فمكث سنة، ثم [عزل بأيوب بن جعفر بن سليمان بن على ابن عبد الله، فمكث سنة، ثم] عزل بالربيع بن عبد الله الحارثى، والعباس ابن سعيد مولى بنى هاشم: الربيع على الصلاة والحرب، والعباس على الجباية، فأقام سنتين، وعزلا بمحمد بن إبراهيم القاسمى، وقد جمع له الحجاز واليمن، فأقام بالحجاز وبعث ابنه العباس فشكاه الناس، فعزله، وولى الرشيد اليمن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن الزبير،/ وكان رزق عامل صنعاء فى الشهر ألف دينار، فجعل له الرشيد ألفى دينار، فقال له يحيى بن خالد: هذا يفسد عليك من توليه من أهل بيتك، فرد رزقه إلى ألف دينار ووصله بصلة جليلة، فأقام سنة ثم عزله، واستعمل أحمد بن إسماعيل بن على الهاشمى فى سنة إحدى وثمانين ومائة، ثم عزله واستعمل إبراهيم بن عبد الله بن طلحة بن أبى طلحة، من بنى عبد الدار، فأقام سنة ووثب به الجند، فعزله الرشيد، واستعمل محمد بن خالد بن برمك، فدخل صنعاء فى شوال سنة ثلاث
وثمانين، فأقام سنة ثم عزله الرشيد، واستعمل مولاه حمادا البربرى، فقدم فى شوال سنة أربع وثمانين، فلم يزل على اليمن بقية خلافة الرشيد إلى سنة ثلاث وتسعين، وعمّر اليمن فى أيامه، وأمّنت السبل، وظفر بالهيصم بن عبد الحميد لما خالف عليه.
ولما ولى الأمين الأمر أقر حمادا مديدة، ثم سار نحو العراق واستخلف ابن أخيه، فكتب أهل اليمن إلى الأمين يشكونه، فعزله واستعمل محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعى، فقدم خليفة له، ثم قدم فاستخرج من عمال حماد أموالا جليلة، وعدل فى الناس ثم عزله الأمين واستعمل سعيد بن السرح الكنانى، فقدم صنعاء/ فى شعبان سنة خمس وتسعين، فأقام حتى ثارت الفتنة بين الأمين والمأمون، وسار طاهر بن الحسين لمحاربة الأمين، وضعف أمره.
فبعث طاهر بن الحسين على اليمن يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسرى، فقدم صنعاء آخر سنة ست وتسعين، فقبحت سيرته فى الناس، ثم آتاه رجل من أهل العراق يكنى أبا الصلت/ قدم عليه طالبا، فلم يعطه شيئا، فرجع حتى إذا كان بضمر من بلد همدان وجد عمر بن إبراهيم بن واقد بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان نازلا مع أخواله أرحب من السلمانيين، فأخبره خبره، فقال: بئس والله ما صنع يزيد، ووصله بعشرين دينارا، فقال أبو الصلت: لا جرم، لأحسنن مكافأتك إن شاء الله تعالى، فخرج من عنده ومكث وقتا، ثم قدم عليه بكتاب افتعله بولايته اليمن، فقدم عمر ابنه محمدا فى نفر من الأعراب وقوم جمعهم، فقدم صنعاء فى صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، وحبس يزيد بن جرير، ثم قدم أبوه فأقام وقتا، وأخرج يزيد من الحبس ميتا، وكانت ولاية عمر شهرا، ثم عزله المأمون
بإسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمى، فقدمها فى ذى القعدة سنة ثمان وتسعين [وماية]، فأقام بها سنة تسع وتسعين [وماية]، ثم سار يريد الحجاز، واستخلف ابن عمه القاسم بن إسماعيل وذلك حين بلغه ظهور محمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا بالكوفة، واستيلائه عليها، وإرساله جماعة من الطالبيّين نحو الحجاز، فاستولوا على المدينة ومكة، فلما انتهى إسحاق إلى ضمر وثب به الأعراب فقاتلوه، فرجع إلى صنعاء، فاتصل به قدوم إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد الطالبى واليا على اليمن بعثه الحسين بن الحسن الطالبى المعروف بالأفطس لما استولى على مكة والموسم، فقدم إبراهيم اليمن فى صفر سنة مائتين، فأسرف فى القتل حتى سمى الجزّار، ولم تزل أموره مستقيمة باليمن حتى ثار محمد بن إبراهيم، وقام بعده محمد بن محمد بن محمد بن زيد بن على، فلما أسر محمد، وقتل أبو السرايا- كما/ قدمناه- انحلت أمور الطالبيّين بالحجاز واليمن، فبعث المأمون محمد بن على بن عيسى بن ماهان، فكانت بينه وبين إبراهيم وقائع استظهر فيها ابن ماهان على إبراهيم، فأقام إبراهيم يتردّد فى القرى التى حول صنعاء حتى قدم عليه عهد المأمون بولاية اليمن، فأبى ابن ماهان أن يسلمها إليه، فالتقيا عند صنعاء فهزمه ابن ماهان، فعاد إبراهيم، ولم يستقم له أمر بعد ذلك، فقدم عيسى بن يزيد الخلودى التميمى واليا، فجمع ابن ماهان عشرة آلاف مقاتل وخرج إليه ولده عبد الله من صنعاء، وقد خندق الخلودى على نفسه، فالتقوا فهزمه الخلودى، ودخل صنعاء، واستمرت الهزيمة بعبد الله حتى دخل مكة، واختفى أبوه بصنعاء، فقبض عليه الخلودى وحبسه، وفرّق عماله فى المخاليف، وشخص نحو العراق.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع