من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى بلاد النوبة
وفى هذه السنة- فى شوال منها- أمر السلطان بتجريد طائفة من العسكر المنصور المصرى إلى بلاد النوبة، فجرد ثلاثة من الأمراء وهم: سيف الدين طقصبا الناصرى الحسامى، وهو المقدم على العسكر، وعلاء الدين على بن قرا سنقر المنصورى، وعز الدين أيدمر الكبكى، وجرّد جماعة من المماليك السلطانية، ومن الحلق، ومن أجناد الأمراء، من كل أمير ماية جنديان، ومن كل أمير طبلخاناه جندى، فبلغت عدتهم نحو خمسماية فارس، وكان خروجهم من القاهرة فى مستهل ذى الحجة.
وسبب تجريد هذا العسكر أن كنز الدولة بن شجاع الدين نصر بن فخر الدين مالك بن الكنز، لما تملك النوبة بعد وفاة خاله إبرام أخى كرنبس - كما تقدم- واستقل بالملك، واتصل ذلك بالسلطان أفرج عن كرنبس، وجهزه إلى النوبة، وجرّد هذا العسكر لنصرته فتوجهوا، فلما قاربوا البلاد فارقها كنز الدولة، وتوجه وصحبته من انضم إليه من العربان، فتبعه العسكر إلى الأبواب، فلم يظفروا به، فلما حصل أمانهم منه، عادوا إلى دنقلة، وملكوا كرنبس بها، وعاد العسكر وتركه، ولما علم كنز الدولة بعود العسكر جمع العربان وعاد إلى دنقلة، وأخرج كرنبس منها، واستقل بملكها، ووصل كرنبس إلى ثغر أسوان، فرسم له بالمقام به، فأقام به إلى أواخر/ سنة ست وعشرين وسبعمائة، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة أيضا، فى ليلة يسفر صباحها عن نهار الثلاثاء ثالث المحرم توفى الملك المجاهد أنس بن الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى الضرير بالقاهرة، ودفن بتربة والده بالقرافة، وقد جاوز خمسين سنة، وكانت زوجته ابنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى] قد اشترت منه ما يخصه من الدار المعروفة بإنشاء والده بالقاهرة، وحصل بينها وبينه خصام قبل وفاته أوجب انتقالها عنه إلى دار الشريف بن ثعلب، وسكنتها بالأجرة، فلما مات حصل بينها وبين إخوته خصام، فباعت ما ملكته من الدار الزينية لوكيل زوجة السلطان طغاى أم ولده، واشترى الوكيل من بقية الورثة ما يخصهم من الدار بستمائة ألف وثلاثين ألف درهم، وأخرج أولاد العادل منها، وتفرقوا بالقاهرة، وسكنوا فى عدة مساكن بالأجرة.
وتوفى الصدر الأمير نجم الدين محمد بن الشيخ فخر الدين عثمان بن الشيخ صفى الدين أبى القاسم بن محمد بن عثمان البصروى الحنفى، وكانت وفاته بمدينة بصرى فى يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان، ودفن بها، وهو من أبناء الخمسين، وكان قد تقدم واشتهر بتحصيل الخيول الجياد، وسياقتها إلى الأبواب السلطانية، وتقدمتها إلى أعيان الأمراء، فأوجب له ذلك التقدم، فولى نظر الحسبة بدمشق، ثم نظر الخزانة، ثم وزر بالشام، ثم سعى فى إقطاع فأنعم عليه بإمرة عشرة، وأقطع إقطاعا جيدا، وكان قبل ذلك مدرسا ببصرى، وكان يذكر بكرم رحمه الله تعالى/.
وفى يوم الخميس الحادى والعشرين من شعبان توفيت بدمشق محمودة خاتون ابنة الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن [أيوب توفيت بدارها] وتعرف بدار كافور، وصلى عليها بجامع دمشق عقيب صلاة المغرب من ليلة الجمعة ودفنت بالمدرسة الصالحية داخل دمشق بتربة جدتها، وكانت جليلة، ولم تتزوج قط، ولم يكن فى بيت العادل من هو فى درجتها رحمها الله تعالى. نقلت وفاتها من تاريخ الشيخ علم الدين القاسم بن البرزالى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع