من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
(٩٤) ذكر أخبار على بن الفضل والمنصور بن حسن بن زادان دعاة عبيد الله المنعوت بالمهدى
قال: ودخل على بن الفضل القرمطىّ، وأصله من اليمن من حمير، والمنصور وهو [ابن] الحسن بن زادان بلاد اليمن داعيين لعبيد الله المنعوت بالمهدى، وتحيّلا وتلطّفا، واستمالا الناس حتى غلبا على أكثر البلاد، وكانت
لهما حروب باليمن، وقتلى كثيرة يطول الشرح بذكرها، وخرج الأمر فى غالب بلاد اليمن عن بنى العباس سنين كثيرة، ثم ظهر الزّيديّة والإماميّة، وكانت لهم حروب كثيرة، ووقائع مشهورة، حتى استولى على بن الفضل على صنعاء، فانهزم منه أسعد بن أبى يعفر، فعند ذلك أظهر ابن الفضل مذهبه الخبيث، وادعى النّبوّة، وكان يؤذن فى عساكره بالشهادة أنه رسول الله، وأباح المحرمات، وفى ذلك يقول شاعر فى عصرهم:
خذى الدفّ يا هذه واضربىوغنى هزارك ثم اطربى
تولّى نبى بنى هاشموهذا نبىّ بنى يعرب
لكلّ نبىّ مضى شرعةوهذى شريعة هذا النبى
فقد حطّ عنا فروض الصلاةوحطّ الصيام ولم يتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضىوإن صوّموا فكلى واشربى
ولا تطلبى السعى عند الصفاولا زورة القبر فى يثرب
/ ولا تمنعى نفسك المعرسين من الأقربين ومن أجنبى
فمن أين حلّلت للأبعدين وصرت محرّمة للأب؟
أليس الغراس لمن أسّهوسقّاه فى الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماءحلال فقدّست من مذهب
وجعل دار ملكه المذيخرة. ولما ادعى ابن الفضل النبوة، وأسقط اسم عبيد الله المهدى، وغضب المنصور بن الحسن بن زادان- وهو صاحب مسور-
لذلك، وخالف على ابن الفضل، خرج ابن الفضل لحربه، وذلك فى سنة تسع وتسعين ومائتين، فذكّره المنصور حقوق عبيد الله المهدى وابنه، وأنهما نعمة من نعمهما، فلم يلتفت إليه ابن الفضل وحصره ببيت دحان أشهرا، ثم انصرف عنه ابن الفضل.
ومات المنصور فى سنة اثنتين وثلاثمائة، ثم مات ابن الفضل بالمذيخرة فى سنة ثلاث وثلاثمائة، وذلك أنه احتاج إلى الفصاد، فأحضر طبيبا وجرده من ثيابه، وغسل المفصد، وهو ينظر إليه، وكان الطبيب قد جعل السمّ فى شعر رأسه، فلما غسل المفصد مسحه على شعره كالمجفف له، فعلق به السم، فلما فصده أهلكه الله تعالى، فاجتمعت رؤساء اليمن مع الحوالى، وقصدوا المذيخرة، فحصرها سنة ورماها بالمجانيق، حتى تسلمها، وسبى منها بنات على بن الفضل، ففرقهن فى رؤساء العرب، واضمحل أمر القرامطة الدعاة للعبيديين باليمن إلى أن قام بأمرهم على بن محمد الصّليحى فى سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، على ما نذكر ذلك،/ إن شاء الله تعالى، فلنذكر أخبار الزيدية.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع