من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر نبذة من أخبار الزيدية وغيرهم
/ قال: وقام الناصر أحمد بن الهادى يحيى بن الحسين بن القاسم بعد موت أبيه، واعتزال أخيه المرتضى، فاستولى على أكثر اليمن الأعلى، ودخل عدن فى ثمانين ألفا، ومات فى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وكان أسعد بن أبى يعفر قد صالح ابن الفضل، فوّلاه صنعاء، فلم يزل عليها وعلى مخاليفها إلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ومات بحصن كحلان، ودامت صنعاء بيد بنى يعفر ومواليهم مع كثرة اختلافهم وقيام من قام عليهم بسبب ذلك إلى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، ووصل المختار بن الناصر بن الهادى إلى ريدة، فخرج من بصنعاء من بنى الضحاك إليه، فولاها المختار أبا القاسم بن يحيى بن
خلف، ولم يلبث الضحاك أن غدر بالمختار، فحبسه فى قصر ريدة فى صفر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، فاستمر فى الحبس إلى شوال من السنة، وقتله، وكان على بن وردان- من موالى آل يعفر- قد غلب على صنعاء، وثار الأسمر يوسف ابن أبى الفتوح- وقام معه قومه خولان- يعارض بنى يعفر وبنى الضحاك، فقصدوه وهو بجدان، فهزمهم، وقتل من همدان خلقا كثيرا، ثم مات فى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة واستخلف أخاه سابورا، فسار إليه الضحاك وابن أبى الفتوح إلى/ بلد خولان فلم يظفرا منه بشىء، فعاد الضحّاك إلى صنعاء، وسار سابور يريد ذمار، فلحقه الأسمر فقتله فى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وكاتب الضحاك أبا الجيش ابن زياد صاحب زبيد بالطاعة، وخطب له بصنعاء فى شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
ولما تعطلت المخاليف من يحصب ورعين، وظهر أمر السفهاء اجتمع الوجوه إلى الأسمر بن أبى الفتوح، وسألوه أن يكاتب الأمير عبد الله بن قحطان بن أبى يعفر- وهو يومئذ بشبام- أن يقوم بالأمر، فخرج الأمير عبد الله بن السرّ فأقام به مع ابن أبى الفتوح أياما، ثم سار نحو كحلان، فأقام به مدة، ورجع إلى صنعاء، فدخلها فى سنة ثلاث وخمسين [وثلاثمائة]، فانهزم الضحّاك منها، ولم يلبث ابن قحطان أن خرج من صنعاء، واستعادها الضحاك، وأعاد الخطبة لابن زياد، فلم يستقر له أمر، وعاد أمر البلاد لابن قحطان، فأقام يتردد من شبام إلى كحلان إلى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وتجهز للنزول بزبيد، فلقيه صاحبها ابن زياد، واقتتلوا، وكانت الدائرة على ابن زياد، وقتل من عسكره خلق كثير، ودخل ابن قحطان زبيد فى شهر ربيع من السنة، فنهب دور ابن زياد، ونهب عسكر زبيد أقبح نهب، وأقام بها ستة أيام، وعاد نحو كحلان،
وخطب للعزيز صاحب مصر، وقطع ذكر بنى العباس، ثم قصد ابن قحطان مخلاف جعفر، فملكه فى سنة ثمانين [وثلاثمائة]، وأقام بإبّ، فاضطرب عليه أهل المخلاف، فأمر بعمارة المنظر، وتحول إليه من إب وجعل أمر ألهان إلى أسعد بن أبى الفتوح.
ثم مات فى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة،/ فقام بما كان إليه بعده ولده أسعد بن عبد الله، وكان ظهور الإمام يوسف بن يحيى بن الناصر بن الهادى فى سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وكانت له حروب مع ابن أبى الفتوح وابن الضحاك وغيرهما، ودخل صنعاء ثم فارقها، وكان يحارب ابن أبى الفتوح مرة ويصالحه أخرى، ولم يزل أمر صنعاء فى غاية الاضطراب إلى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، تارة يغلب عليها الإمام وابن أبى الفتوح، وتارة الضحّاك، وتارة حاشد، والعرب من همدان وحمير وخولان وبنى شهاب مفترقة على هؤلاء، فمن كثر جمعه غلب عليها، ولم يكن الإمام يوسف هذا من الأئمة السابقين عند أهل البيت، ولا عدّوه من أئمة الزيدية.
فلما كان فى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وصل الإمام المنصور القاسم بن على بن عبد الله/ بن محمد بن القاسم بن إبراهيم، وهو أحد أئمة الزيدية فاضلا فيهم مصنفا، وكان مقامه قبل ذلك بترح من بلد خثعم، ثم أقام بتبالة، ووصل صعدة وملكها، وسار إلى نجران، وأرسل إلى صنعاء من قبله شريفا يعرف بالقاسم بن الحسين الزيدى، فتصرف فى صنعاء بأحكام الإمامية، ثم خالف أهل نجران على الإمام، وكانت له حروب إلى أن مات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، فوصل ابن أبى حاشد إلى صنعاء، وخطب للزّيدى، ثم تغيرت عليه الأحوال، فخرج منها بغير سلطان، ودامت الفتنة بصنعاء، وهى فى أكثر أوقاتها/ بغير سلطان، والغالب عليها الضحاك إلى سنة أربعمائة، فسار جماعة من همدان وبنى شهاب إلى الزيدى إلى ذمار، فسار معهم إلى صنعاء، فدخلها فى ذى القعدة من السنة.
فلما كان فى صفر سنة إحدى وأربعمائة وصل الحسين بن القاسم بن على إلى قاعة وادعى أنه المهدى الذى بشّر به النبى ﷺ، فأجابه حمير وهمدان وسائر أهل المغارب، وتخلوا عن الزيدى، فوصل إلى صنعاء اليمن، وكانت بينه وبين الزيدى حروب، فقتل الزيدى فى حقل صنعاء فى سنة ثلاث وأربعمائة، ورجع الإمام الحسين بن القاسم الزيدى إلى ريدة وترك أخاه جعفرا بصنعاء، ثم كانت له حروب مع محمد بن القاسم الزيدى، وكان ابن الزيدى قد جمع جموعا كثيرة، فانهزم ابن الزيدى، واستولى الحسين على صعدة وغيرها، ثم خالفه المنصور بن أبى الفتوح بصنعاء وبنو شهاب وبنو حريم وغيرهم، ونهبوا داره، وخرجت الشيعة من صنعاء بعد أن نهبت دورهم، فجمع الإمام عسكرهم، فقاتلوه فهزموه، وقتل من عسكره خلق كثير، وأعاد الناس أبا جعفر قيس بن الضحّاك إلى إمارة صنعاء، فأقام بها إلى المحرم سنة أربع وأربعمائة، فبلغه ما جمع الإمام من العساكر، فخرج من صنعاء محتقرا مهزوما، وكانت القبائل المخالفة على الإمام تجتمع إليه فاضطربوا، ثم قويت قلوبهم وساروا إلى الإمام فقاتلوه فهزموه، فبقى فى مائة فارس، فعلمت به همدان فلقوه وقاتلوه/ فغشيهم بنفسه مرارا فى كلها. يخرق صفوفهم، ثم قتلوه، وذلك فى صفر سنة أربع وأربعمائة، وقتل وهو لم يبلغ الثلاثين سنة.
ولما قتل سار ابن أبى حاشد إلى صنعاء فأقام بها إلى ذى الحجة من السنة ولم يتم له أمر مع همدان، فخرج منها، وتعطلت من السلطنة إلى النصف من شوال سنة خمس وأربعمائة، ووصلها أبو جعفر أحمد بن قيس [بن محمد بن الضحاك الهمدانى] فأقام بها إلى ربيع سنة ست [وأربعمائة] وخرج منها، ورفع أيدى عماله، فتعطلت أيضا إلى سنة ثمان [وأربعمائة]، وراجعت همدان أبا جعفر فى الرجوع إلى الإمام، فأجابهم.
وفى سنة عشر وأربعمائة ثار يزيد بن القاسم الزيدى مع قوم من بنى شهاب بن مروان، فقتلوه بأشيح، فسار إليهم ابن أبى الفتوح، وأمده القائد مرجان صاحب الكدراء، وعاضده ابن أبى حاشد، ثم نزل ابن أبى الفتوح إلى تهامة، فتلقاه القائد بالكدراء بأحسن لقاء، وعاد فأقام بألهان، حتى خرج زيد من أشيح وسلمه للقائد، وتحالفت همدان والأبناء على بنى شهاب بأمر القائد، فحاربوهم مرارا، ثم اصطلحوا، ووصل جعفر بن القاسم أخو الحسين من صعدة إلى [محلة] عيان، فاستدعته همدان وحمير، فسار إلى صنعاء، فدخلها آخر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، فأقام بها إلى المحرم، وسار إلى صعدة بطائفة من الناس، فنهبها، وخرّب دورا، وقتل ناسا، وقد كان ذعفان وابن أبى حاشد خالفا عليه عند مسيره إلى صنعاء، فلما رجع جعفر إلى عيان سألته همدان/ العود إلى صنعاء فكرهه، ثم وقع الخلف بين همدان وذعفان وابن أبى حاشد، فاستدعوا جعفر بن القاسم، فأدخلوه صنعاء فى صفر سنة خمس عشرة، وطالب الناس مطالبة شديدة، وأقام بها مدة يحارب ذعفان وابن أبى/ الفتوح ثم اصطلحوا ونزل ذعفان إلى القائد فى الكدراء فأحسن القائد تلقيه، وأمده بأموال جليلة، وكتب معه إلى المنتاب صاحب مسور، وأمرهم جميعا بحرب جعفر، فاجتمعوا عليه، فخرج إلى بيت شعيب، فحصرته همدان وحمير، وأعادوا ابن أبى حاشد إلى إمارة صنعاء، وهجم أهل بيت خولان على محطة حمير، وقتلوا منهم مائة رجل، وانهزم عسكر المنتاب، وذلك فى المحرم سنة ست عشرة وأربعمائة، ثم تهادنوا إلى آخر السنة.
ولما كان فى ثمان عشرة وأربعمائة ظهر إنسان بناعط، ولم يعرف الناس اسمه، وذكر أنه يتسمى عند ظهور رايته من المشرق، وسار إلى مأرب وبها المؤمن بن أسعد بن أبى الفتوح، وتلقاه أحسن لقاء، وأقام عنده وسطر كتبه
من عبد الله الإمام المعيد لدين الله الداعى إلى طاعة الله الدافع لأعداء الله، وأنفذها إلى النواحى، فبلغ القائد مرجان قيام المؤمن بن أسعد معه، فغضب على المنصور بن أسعد، وأعاد كتبه مختومة، فغضب المنصور، وانضم إلى هذا الإمام، ودخل صنعاء فى شهر رمضان سنة ثمان عشرة (وأربعمائة) وخطب له بها ابن التّقوى قاضى صنعاء بالإمامة، ثم خرج منها، وخالف عليه من كان انضم إليه، فقتلوه فى آخر ذى الحجة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، واشتد القحط باليمن من هذه السنة إلى سنة اثنتين وعشرين، وصنعاء خالية من/ السلطنة.
وفى شهر رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة ظهر الإمام أبو هاشم الحسن بن عبد الرحمن إماما، وتسمى بالنفس الزّكيّة، ومعه ولده حمزة بن أبى هاشم وإليه ينسب الأشراف الحمزيون، فقصد صنعاء، فهرب منه ابن أبى حاشد، ووصل المنصور بن أبى الفتوح، فبايعه ورجع إلى بلده، واستمر هذا الإمام إلى سنة تسع وعشرين، فخالفت عليه همدان، فدخل ابن أبى حاشد صنعاء، ثم خرج منها فتعطلت من السلطنة إلى سنة إحدى وثلاثين، فاستدعت همدان جعفر بن القاسم، فدخل صنعاء فى ربيع من السنة، ثم كان بينهم اختلاف يطول شرحه، وخلت صنعاء أيضا من السلطنة إلى شوال سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.
ووصل الإمام أبو الفتح الناصر بن الحسين الدّيلمىّ مدّعيا للإمامة، وانضمت إليه همدان وجميع العساكر، ونهب صعدة، وخرب دورا، وقتل من خولان مقتلة عظيمة، ودخل صنعاء فى ذى القعدة من السنة، وأقام إلى صفر
سنة ثمان وثلاثين [وأربعمائة]، ودخل ابن أبى الفتوح، فبنى له فى حصن علب قصرا بالجص والآجر، وكاتب له المنصور عبسا، فأقبل من رؤسائهم مائة فارس، فدخلوا فى طاعة الإمام، وبايعوه، والتحق به أيضا الأمير جعفر بن القاسم، فجعله أمير الأمراء بينهما، ولم يتم.
وتمالأ جعفر وابن أبى حاشد على حرب الإمام، وخرجا من صنعاء فأمر الإمام بخراب دور بنى الحارث،/ وبنى مروان، فغضب ابن أبى الفتوح وابن أبى حاشد لذلك، ودخلا صنعاء، ورفعا أيدى ولاة الإمام، وقطعا اسمه من الخطبة، فخرج هاربا، ثم رجع إلى بلد عنس، ووصل إليه جعفر، وأقاموا بصنعاء، ثم مات السلطان يحيى بن أبى حاشد فى أول سنة أربعين وأربعمائة، فأغلقت أبواب صنعاء ولم يبايع الناس ثلاثة أيام، وأقام الناس ابنه أبا حاشد، وحلفت له همدان.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع