من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار دولة على بن محمد الصّليحىّ
وفى ليلة الاثنين ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ظهر على بن محمد الصليحى/ واستولى على اليمن فى أقرب مدة داعيا إلى الدولة العبيدية، وكان من خبر قيامه وابتداء أمره أنه لما مات المنصور الحسن ابن زادان صاحب مسور الذى قدمنا ذكره- وهو أحد الداعيين لبنى عبيد [الله] فى سنة اثنتين وثلاثمائة- كما ذكرنا- استخلف على أهل دعوته رجلا من بنى شاور يقال له «عبد الله بن عباس» وابنه حسين بن المنصور، وأمرهما بالمحافظة على دينهما، وألا يقطعا دعوة بنى عبيد الله، وأمرهما بمكاتبة المهدى، فإذا ورد أمره بولاية أحدهما سمع الآخر له وأطاع، وكان المهدى يعرف عبد الله بن عباس فكتب إليه ابن عياس يعرفه وفاة المنصور،
وأنه قد قام بالدعوة فوصلت إليه كتب المهدى بولايته، وعزل أولاد المنصور، وبعث إليه سبع رايات، فسار أبو الحسين بن المنصور إلى المهدى/ بإفريقية، فأمره بطاعة ابن عياش وقد أيس من الرئاسة، فعمل على قتل ابن عياش فنهاه أخوته فلم ينته، واستولى على الأمر، ولم يدع مكاتبة المهدى، ثم خرج أبو الحسين بن منصور إلى عين محرم، وفيه رجل من قبله يقال له ابن العرجى واستخلف على مسور إبراهيم بن عبد الحميد السباعى، وهو جد بنى المنتاب، فوثب ابن العرجى على أبى الحسين فقتله، فاستولى إبراهيم على مسور، وادعى الأمر لنفسه، وأخرج أولاد المنصور وحريمهم عن مسور إلى جبل بنى أعسب، فوثب عليهم المسلمون، فقتلوهم الصغير والكبير، وسبوا حريمهم.
ثم اتفق إبراهيم وابن العرجى، فاقتسما المغرب نصفين، لكل واحد منهما ما يليه، ورجع إبراهيم إلى مذهب السّنّيّة، وخطب للخليفة العباسى، وتتبع القرامطة بالقتل والسبى، ونصّب من بقى منهم داعيا يعرف بابن الطّفيل، فقتله إبراهيم، ثم مات إبراهيم، فولى بعده ابنه المنتاب بن إبراهيم، وانتقلت الدعوة الخبيثة بعد ابن الطفيل إلى رجل يعرف بابن أقحم، فخاف على نفسه من المنتاب، فكان لا يستقر فى موضع واحد، وكاتب المعز بعد وصوله إلى مصر، فلما حضرته الوفاة استخلف رجلا من شبام يعرف بيوسف بن الأسد، فأقام دعوتها مدة حياته، واستخلف رجلا من شبام اسمه سليمان بن عبد الله الزواحى من حمير، فدعا إلى الحاكم ومن بعده، وكان كثير المال والجاه، فاستمال الرعاع والطغام إلى مذهبه، وكان إذا هم به المسلمون يقول:
«أنا رجل مسلم فكيف يحل قتلى؟»، وكان فيه كرم نفس،/ وإفضال على الناس.
وكان الصّليحى كثير الاختلاط به، والحظوة لديه، فتفرّس فيه، فلما حضرته الوفاة أوصاه بالدعوة، وأعطاه مالا كثيرا كان قد جمعه من أهل دعوتهم، وأقام الصليحى باليمن دليلا للحاج على طريق السراة خمس عشرة سنة، وهو مع ذلك يعمل الحيلة فى ظهور أمره، فطلع مسارا، وهو أعلى ذروة فى جبال حراز، ومعه قوم قد بايعوه على الموت، فأحاط بهم جميع أهل حراز، وتهددوه بالقتل، فدافعهم بالحيل، وقال: إنما لزمته خوفا أن يلزمه الغير فتلحقنا جميعا المضرّة، ولم يمض عليه أشهر حتى بناه وحصّنه وأمره يستفحل، وشأنه يظهر، فلما ظهر بمسار - ومعه قوم من الحجاز وسنحان ويام وجشم وهبرة- حصره جعفر بن القاسم فى الأحبوش، وهم خلق كثير، ورجل يسمى جعفر بن العباس [شافعى المذهب سار مع جعفر لحصاره فى ثلاثين ألفا، فأوقع الصليحى بجعفر بن العباس] فى محطته فى شعبان من السنة، فقتله فى جمع عظيم، فتفرق الناس عنه، ثم طلع إلى جبل حضور فافتتحه، وأخذ حصن يناع، وجمع له ابن أبى حاشد صاحب صنعاء فالتقوا [بصوف]، فقتل ابن أبى حاشد وألف رجل، وسار إلى صنعاء فملكها، وطوى اليمن طيا بسهله وجبله.
وفى سنة خمس وخمسين وأربعمائة استقرّ ملك الصّليحى بجميع اليمن من مكة إلى حضرموت سهلها وجبلها، واستقر بصنعاء، وأسكن معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم، واختط بصنعاء عدة قصور، واستعمل صهره/ أخا زوجته- أسعد بن شهاب على زبيد، فدخلها فى سنة ست وخمسين وأربعمائة، وأحسن سيرته فى الرعية، وفسح لأهل السنة فى إظهار مذاهبهم، وكان يحمل من تهامة/ إلى صنعاء فى كل سنة- بعد أرزاق الجند الذين بها وغير ذلك من الأسباب اللازمة- ألف ألف دينار عينا.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع