تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر مقتل الصّليحى وقيام ابنه المكرّم

وفى سنة تسع وخمسين وأربعمائة توجه الصليحى إلى مكة شرفها الله تعالى، واستخلف ابنه المكرم على الملك، وسار فى ألفى فارس منهم من آل الصليحى مائة وستون رجلا واستصحب معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم خوفا أن يثوروا بعده فى البلاد، وسار حتى نزل بظاهر المهجم بضيعة تعرف بأم الدّهيم وبئر أم معبد، وخيمت عساكره حوله، فلما كان فى الثانى عشر من ذى القعدة لم يشعر الناس فى نصف النهار إلا وقد قيل لهم قتل الصّليحى.

وكان سبب قتله أنه لما استولى على زبيد فى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وقتل صاحبها نجاحا بالسم، وكان قد أهدى له جارية وأمرها فسمّته، فهرب أولاد نجاح: سعيد الأحول وجيّاش وغيرهما، فلحقوا بأرض الحبشة، وشاع على ألسنة المنجّمين وأهل الملاحم أن سعيدا الأحول قاتل على ابن محمد الصّليحى، وبلغ ذلك الصّليحى فاستشعره، وبلغ سعيدا فترقت إليه همته، وتهيّأ لأسبابه، فلما بلغه مسير/ الصليحى إلى الحجاز خرج من أرض الحبشة، فعارضه فى خمسة آلاف حربة كان قد انتقاها حين خرج من ساحل المهجم، وهجم على الصليحى فى نصف النهار، والناس مقيلون فى خيامهم غير مستعدين لحرب، فدخل عليه خيمته فى أهل بيته، وعنده دوابّ النوبة، وهو يريد الركوب، فقتلوه، وقتلوا أخاه عبد الله، وتفرّقوا فى المحطة، فقتلوا من وجدوا، واستولى سعيد الأحول على خزائن الصليحى وأمواله، وكان قد استصحب منها أموالا جليلة، وجمع آل الصليحى خاصة فقتلهم رميا بالحراب، وأخذ أسماء بنت شهاب، فأركبها هودجا، وجعل رأس الصليحى ورأس أخيه أمام هودجها حتى دخل زبيد، وتركها فى دار والرأسان منصوبان قبالة طاق الدار التى هى فيها، وفى ذلك يقول شاعرهم العثمانى من قصيدة:

بكرت مظلّته عليه فلم ترحإلا على الملك الأجلّ سعيدها
للشاعر القاضي العثماني، اقرأ القصيدة
ما كان أقبح وجهه فى ظلهاما كان أحسن رأسه فى عودها
للشاعر القاضي العثماني، اقرأ القصيدة
سود الأراقم قابلت أسد الشّرىيا رحمتا لأسودها من سودها

فأقامت تحت الأسر سنة، ثم تلطفت فى الكتابة إلى ابنها المكرّم تقول:

إنها قد حملت من الأحول، ولم يكن رآها قطّ وإنما أرادت أن تستنفر حفايظ العرب، فلما وصل الكتاب الى ابنها جمع رؤوس القبائل، وقرأه عليهم، فثارت حفائظهم، وخرج من صنعاء فى ثلاثة آلاف فارس غير الراجل، فخطبهم فى الطريق، وقال: «إنما تقدمون على الموت، فمن أراد أن يرجع فمن مكانه» فيقال: إنه رجع بعضهم وسار فى الباقين، وبلغ الأحول،/ فجمع جموعه فى عشرين ألف حربة، فطحنتهم خيل العرب، وقتل أكثرهم، فركب الأحول فى خواصّه وأهل بيته خيولا مضمّرة كان أعدها للهرب، وهرب إلى الساحل، وقد أعدت له هناك سفن فركبها، وتوجه نحو دهلك، ودخلت العرب زبيد، فكان أول فارس وقف تحت طاق أسماء ولدها المكرم، فسلم عليها، فلم تعرفه، وقالت: من أنت؟ فقال: أحمد بن على، فقالت أحمد بن على فى العرب كثير، وأمرته أن يرفع المغفر، فرفعه، فقالت: مرحبا بمولانا المكرم، فأصابته ريح ارتعش لها، واختلج وجهه، فكان كذلك سنين كثيرة حتى مات، وأعاد المكرّم خاله أسعد بن شهاب إلى ولاية زبيد والأعمال التهامية، ورجع بأمه إلى صنعاء فأقامت مدة وماتت.

ثم جمعت الحبشة لأسعد بن شهاب، فأخرجوه من زبيد، وعادت إلى ملكهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم.

قال: ثم إن المكرم بن الصليحى فوّض الأمور إلى زوجته الحرة، واسمها سيّدة ابنة أحمد بن جعفر الصليحى، وكان الصليحى يكرمها/ قبل مقتله،

ويقول لزوجته أسماء: هى والله كافلة ذرارينا، القائمة بهذا الأمر لمن بقى منا، فلما ماتت أسماء فوض المكرم الملك والأمر لزوجته الحرّة، وخلا للشراب واللذات، فارتحلت من صنعاء حتى بنت دارها بذى جبلة، وتعرف بدار العز، ونقلته إليها، فاستخلف على صنعاء عمران بن الفضل اليامى، حتى مات فى سنة/ أربع وثمانين وأربعمائة، فأسند الأمر إلى ابن عمه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.