من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
السلطان سبأ بن أحمد بن المظفّر الصّليحى
وكان دميم الخلق لا يكاد يظهر من السرج بطائل، وكان جوادا شاعرا قائما بأحوال الملك، وأياه عنى ابن القم بقوله:
ولما مدحت الهبرزىّ ابن أحمدأجاز وكافانى على المدح بالمدح
وعوّضنى شعرا بشعرى وزادنىعطاء فهذا رأس مالى وذا ربحى
شققت إليه الناس حتى رأيتهفكنت كمن شقّ الظلام إلى الصّبح
وكان مستقر ملكه حصن أشيح وما إليه من الجبال المطلّة على زبيد، وكانت الحرب بينه وبين أهل نجاح سجالا، فبيّتوه فى بعض الليالى، وكبسوا عسكره، فقتلوا أكثرهم، ونجا سبأ على قدميه عامة ليلته حتى وجد من حمله على فرس فى آخر الليل، فلم تعد العرب بعد ذلك إلى تهامة.
وخطب سبأ الحرّة السيدة، فلم تجبه، وأنكرت ذلك غاية الإنكار، فتحاربا مدة، فقيل له: ما تجيب إلا بأمر المستنصر خليفة مصر، فأرسل فى ذلك إلى المستنصر رسولين، فعادا ومعهما خادم من أكابر خدّام المستنصر بألفاظ حسنة، فردت بأحسن منها، وقال لها: أمير المؤمنين يقول لك:
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
قالت: وما ذاك؟ قال: «قد زوّجك أمير المؤمنين من الداعى الأوحد المظفر عمدة الخلافة، أمير الأمراء أبى حمير سبأ بن أحمد/ بن المظفّر الصّليحى على ما حضر من المال، وهو مائة ألف دينار عينا، وخمسون ألفا من التحف والألطاف والطيب والكساء»، فقالت: أما كتاب مولانا صلوات الله عليه، وأمره فأقول فيه: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ، وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ولا أقول فى أمر مولانا يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ
وأجابت إلى العقد، فأقبل سبأ فى جموع عظيمة إلى ذى جبلة، فتلقتهم من الضّيافات والعطايا الواسعة للناس، والنفقات على العساكر بما بهر سبأ، وصغّر قدر نفسه عنده، وأقام هو ومن معه على ذلك شهرا، ثم استأذنها فى الدخول عليها، فأذنت له، فقيل: إنه اجتمع بها ساعة واحدة، وقيل بعثت إليه بجارية تشبهها، وأصبح سائرا، فلم يجتمعا بعد ذلك، ومات سبأ، فأقامت الحرة للذبّ عن ملكها، والقيام بأمرها.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع