من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
المفضّل بن أبى البركات بن الوليد الحميرى
وهو تربيتها، فعظم شأنه وعلت كلمته، وغزا تهامة مرارا، وكان إليه ولاية التّعكر وبه ذخائر بنى الصليحى وأموالهم، وكان يتولاه من قبله رجل من الفقهاء فطلع إليه جماعة من الفقهاء السّنّية من المخلاف، فحسنوا له الخلاف، فخالف على المفضل، واستولى على الحصن وما فيه من الذخائر، فجاء المفضل، وحصره أشد حصار، فقال بعض الفقهاء: والله لا بت حتى أقتل المفضل، فعمد إلى حظايا المفضل اللواتى يميل إليهن،/ فألبسهن فاخر الحلى والحلل، وأطلعهن أسطح القصور، فضربن بالدفوف والمعازف بحيث يراهن المفضل وجميع عسكره، وكان المفضل أشد الناس غيرة، فمات
من ليلته كمدا وقيل: امتص خاتما فأصبح/ ميتا والخاتم فى فمه، فعند ذلك طلعت الحرة من ذى جبلة، فخيمت بالرّبادى، وكاتبت الفقهاء ولا طفتهم، وكتبت لهم خطها بما اقترحوه من أمان وأموال، وتسلمت الحصن فولته أحد مواليها.
وقدم على أثر ذلك على بن أحمد المعروف بابن نجيب الدولة رسولا من قبل الخليفة بمصر إلى الحرة، وكان عاقلا حسن التدبير فقام بأمر الحرة، وغزا أهل الأطراف، فاستقر أمره، واشتدت شوكته، واستخدم أربعمائة فارس من همدان وغيرهم من عرب اليمن، فقوى بهم، وغزا ملوك زبيد، ولم تزل أموره مستقيمة حتى بلغ الحرة عنه أنه قال: إنها قد خرفت ولا تصلح لتدبير الملك، فتنكرت له، وأغرت به ملوك اليمن، وكانوا تحت طاعتها كعمران اليامى، وعمرو الجنبى، وكل منهما يسير فى ألف فارس، فحصروه حتى جهد، فلما اشتد به الحصار فرقت الحرة عشرة آلاف دينار مصرية، وأشاعت فى الناس أنها من ابن نجيب الدولة، فطلبت العساكر من ملوكها الأموال والأرزاق، فغالطوهم فارتحلوا، وتفرق الناس، فقيل لابن نجيب الدولة: هذا من تدبير التى قلت إنها قد خرفت، فركب إليها إلى ذى جبلة، فاعتذر إليها.
ثم قدم رسول/ من الديار المصرية، فلم يحتفل به ابن نجيب الدولة، فشق عليه ذلك، والتحق به أعداء ابن نجيب الدولة، فقال لهم: اكتبوا على يدى كتابا «أنه دعاكم إلى البيعة لنزار، واضربوا سكة نزار، وأنا أوصلها إلى الخليفة الآمر بأحكام الله» ففعلوا ذلك وفعل، فبعث الآمر أميرا، فقبض عليه، وسيره إلى مصر، فأرسلت الحرة إلى مصر رسولا، فشفع فيه، فلما توسطوا البحر غرّقهم الموكّلون بهم بمواطأة ذلك الأمير، وانتقلت الدعوة إلى آل زريع.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع