تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر اعتقال الشيخ تقى الدين بن تيمية

وفى هذه السنة- فى يوم الاثنين السادس من شعبان-/ اعتقل الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية بقلعة دمشق المحروسة، حسب الأمر الشريف السلطانى، واعتقل معه أخوه زين الدين عبد الرحمن، ومنع من الفتيا واجتماع الناس به.

وسبب ذلك أنه أفتى أنه لا يجوز زيارة قبر رسول الله ﷺ، ولا قبر إبراهيم الخليل، ولا غيرهما من قبول الأنبياء والصالحين، وتوجه بعض أصحابه وهو الشمس محمد بن أبى بكر إمام المدرسة الجوزية فى هذه السنة لزيارة البيت المقدس، فرقى منبرا فى حرم القدس الشريف، ووعظ الناس وذكر هذه المسألة فى أثناء وعظه، وقال: ها أنا من هنا أرجع ولا أزور الخليل، وجاء إلى نابلس، وعمل مجلس وعظ، وأعاد كلامه، وقال:

ولا يزار قبر النبى ﷺ، ولا يزار إلا مسجده، فقصد أهل نابلس قتله،/ فحال بينهم وبينه متولّيها، وكتب أهل القدس وأهل نابلس ودمشق بما وقع منه، فطلبه قاضى القضاة شرف الدين المالكى، فتغيب عنه، وبادر بالاجتماع بقاضى القضاة شمس الدين محمد بن مسلم الحنبلى قاضى الحنابلة، وتاب عنده، وقبل توبته، وحقن دمه، ولم يعزّره.

فنهض الفقهاء بدمشق عند ذلك، وتكلموا على الشيخ تقى الدين، وكتبوا فتيا تتضمن ما صدر منه، وذكروا هذه المسألة وغيرها، فأفتى العلماء بكفره، وعرضت/ الفتيا على نائب السلطنة بالشام، الأمير سيف الدين تنكز، فطالع السلطان بذلك، فجلس السلطان فى يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رجب بالميدان الذى هو بذيل قلعة الجبل، وأحضر القضاة والعلماء، وعرض عليهم ما ورد فى أمره من دمشق، فأشار قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى باعتقال تقى الدين المذكور، فرسم باعتقاله ومنعه من الفتيا، ومنع الناس من الاجتماع به، وأن يؤدّب من هو على معتقده، وتوجه البريد بذلك، فوصل إلى دمشق فى يوم الاثنين سادس شعبان، فاعتقل، وقرىء المثال السلطانى بعد صلاة الجمعة العاشر من الشهر على السدة بجامع دمشق.

ثم طلب قاضى القضاة القزوينى جماعة من أصحاب تقى الدين فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر إلى المدرسة العادلية، وكانوا قد اعتقلوا بسجن الحكم، فادعى على العماد إسماعيل صهر الشيخ جمال الدين المزّى أنه قال: إن التوراة والإنجيل لم يبدّلا، وأنهما كما أنزلا، فأنكر، فشهد عليه بذلك، فضرب بالدّرّة، وأشهر وأطلق.

وادعى على عبد الله الإسكندرى، والصلاح الكتبى، وغيرهما بأمور صدرت منهم، فثبت ذلك عليهم، فضربوا بالدرة، وأشهروا فى البلد.

وطلب الشمسى أمام المدرسة الجوزية وسئل/ عما صدر منه فى مجلس وعظه بالقدس ونابلس، فأنكر ذلك، فشهد عليه من حضر مجلسيه بما تلفظ ممن كان قد توجه من عدول دمشق لزيارة البيت المقدس، فثبت ذلك عليه فضرب بالدّرّة، وأشهر على حمار بدمشق والصالحية، وقيّد، واعتقل

بقلعة دمشق، فلم يزل فى الاعتقال إلى يوم الثلاثاء العشرين من ذى الحجة سنة ثمان وعشرين، فأفرج عنه فى هذا اليوم، وحضر إلى قاضى القضاة الشافعى، فشرط عليه شروطا، فالتزمها، وأطلق.

وفى هذه السنة فى ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول توفى الشيخ عز الدين بن أبى زكريا يحيى بن الشيخ الخطيب شمس الدين إبراهيم بن شيخ الإسلام عز الدين أبى محمد بن عبد العزيز بن عبد السلام السلمى الدمشقى، وكانت وفاته بالقاهرة بسكنه بحارة بهاء الدين، ودفن بالقرافة بتربة جده الشيخ عز الدين، وتوليت تجهيزه ودفنه بوصية منه إلىّ، وكان قد أوصانى ألا أدفنه إلا خارج باب التربة، فدفنته هناك حيث أوصى، وكانت قد طالت مرضته، مرض فى أثناء شوال، ومولده بدمشق فى يوم الأحد عاشر صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة، وسمع من النجيب فراس بن العسقلانى، وابن الأوحد وغيرهما، وحدّث قبل وفاته، وكان رحمه الله تعالى يباشر الأشغال الديوانية، والأوقاف، وآخر مباشراته شهادة الحوائج خاناه السلطانية بقلعة الجبل المحروسة.

وفيها فى ثامن شهر ربيع الأول توفى الشيخ الصالح شرف الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ العارف القدوة السيد الشريف أبى الحسن على بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف الشاذلى الحسنى، وكانت وفاته بدمنهور الوحش، وهو من المشايخ الصلحاء المشهورين. ويقال: إنه كان فى صحبة والده لما توجه إلى الحجاز الشريف. ومات فى سمرة عيذاب بمنزلة حمتيره فى سنة ست وخمسين وستمائة، وكان إذ ذاك صغير السن رحمه الله تعالى.

وفيها فى ليلة السبت سادس جمادى الآخرة توفى القاضى شرف الدين عبد الهادى بن زنبور، وهو إذ ذاك/ يباشر نظر خزائن السلاح بالقاهرة

المحروسة. ولى ذلك بعد انفصاله من نظر الدواوين بالديار المصرية، ودفن من الغد بالقرافة. ومولده فى سنة تسع وثلاثين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى رجلا عاقلا قليل الشر، وهو خال القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة.

وفيها فى العشرين من شهر رجب توفيت الست الجليلة صالحة خاتون ابنة الملك المعز فخر الدين يعقوب بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وهى فى درجة الملك الصالحى نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، ودفنت بقاسيون، ومولدها تقريبا فى سنة خمسين وستمائة، ولم يكن فى البيت الأيوبى أقرب إلى السلطان الملك العادل منها، رحمهما الله تعالى.

وفيها فى عشية نهار الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان توفى الأمير صلاح الدين أبو الحسن محمد بن الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك الناصر داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، وكانت وفاته بظاهر دمشق ببستان النعامات، ودفن فى يوم الأربعاء بالتربة المعظمية بقاسيون، وهذه التربة هى دير مرّان المذكور فى أشعار المتقدمين، ومولده فى الرابع والعشرين من ذى القعدة سنة أربع وستين وستمائة سمع حضورا من والده وروى عنه، وسمع/ من ابن البخارى، ومن الشيخ عز الدين الفاروثى وغيره، وأسمع، رحمه الله تعالى.

وفيها فى ليلة الخميس ثالث عشر شوال توفى ببعلبك الشيخ قطب الدين أبو الفتح موسى بن الشيخ الإمام القدوة الحافظ أبى عبد الله/ محمد بن أبى الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن اليونينى البعلبكى الحنبلى، ودفن ضحى يوم الخميس بمقبرة باب سطحا، ومولده فى بكرة الجمعة ثامن صفر سنة أربعين وستمائة بالديار الفاضلية بمدينة دمشق. سمع من والده ومن الشيخ شرف الدين الحسين الأربلى، وشيخ الشيوخ شرف الدين الحموى، وابن عبد الدايم، وحدث عنه بصحيح مسلم، وسمع بالديار المصرية من الشيخ رشيد الدين العطار وغيره، وكان له تعلق بالتاريخ، اختصر (مرآة الزمان) لابن قزاوغلى وذيّل عليه، وقد نقلنا عنه مواضع يسيرة فى كتابنا هذا، نقلت وفاته من تاريخ الشيخ علم الدين بن البرزالى رحمه الله تعالى.

وفيها فى ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من ذى القعدة توفى قاضى القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع بن جعفر الصالحى الحنبلى، قاضى الحنابلة بدمشق، وكانت وفاته بالمدينة النبوية، وكان قد توجه لقصد الحج فى هذه السنة، فمرض عند رحيل الركب من منزلة العلا، واشتد به المرض، فيقال أنه سأل الله تعالى أن يصل إلى المدينة النبوية، ويزور رسول الله ﷺ قبل وفاته، فاستجاب الله له، ووصل إلى المدينة فى يوم الاثنين قبل وصول الركب بيوم، فسلم على رسول الله ﷺ، وصلى بالحرم النبوى، وبات فى تلك الليلة ببعض الرّبط، ومات من ليلته، فدفن بالبقيع بجوار قبر عقيل بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، ومولده بالصالحية بظاهر دمشق فى سنة اثنتين وستين وستمائة، وولى القضاء بدمشق فى ثامن صفر سنة ست عشرة وسبعمائة، بعد وفاة قاضى

القضاة تقى الدين سليمان الحنبلى، وسلك فى ولايته سيرة السلف الصالح، ولم يغير هيئته ولا لباسه، ولا جدد مركوبا بسبب ولاية القضاء، وكان يمشى غالبا من الصالحية إلى/ دمشق، ولا أضاف إلى نفسه ولاية مدرسة، ولا نظر وقف بمعلوم، وكان رحمه الله تعالى رجلا صالحا ديّنا خيّرا فاضلا عالما محدثا، سمع الحديث من ابن عبد الدايم، وابن البخارى، وغيرهما، فسمع من مائتى شيخ وعشرة شيوخ، وسمع بمكة والمدينة والقدس ونابلس وبعلبك، وحضر عدة غزوات وفتوحات منها طرابلس وعكّا وقلعة الروم، وخرّج له الشيخ جمال الدين المزّى أربعين حديثا تساعيا، وخرج له غير ذلك.

وفيها فى يوم الأربعاء ثامن ذى الحجة توفى الأمير مجد الدين يعقوب ابن الملك الأشرف شرف الدين عبد الحق بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، وكانت وفاته ببستانه بالمزّة ظاهر دمشق. وصلّى عليه بجامع المزّة فى يوم عرفة، ودفن بمقبرتها، رحمه الله تعالى، وكان رجلا خيّرا كثير التواضع، وله مكارم، وكان يحفظ شعرا كثيرا.

وفيها فى ذى الحجة توفى الأمير بدر الدين حسن بن الملك الأفضل نور الدين على بن الملك المظفر محمد بن الملك المنصور بحماة وهو أخو الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة، وهو من جملة الأمراء بحماة، رحمه الله تعالى/.

واستهلت سنة سبع وعشرين وسبعمائة بيوم الخميس الموافق لأول كيهك من شهور القبط.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.