تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

المقصد الثاني في كيفية تصرّف الكاتب في الخطب

قد تقدّم في أوّل المقصد الأوّل من هذا النوع قول أبي هلال العسكري: إن الرسائل والخطب متشاكلتان في أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا

تقفية والمشاكلة في الفواصل وان الخطب يشافه بها بخلاف الرسالة، والرسالة تجعل خطبة، والخطبة تجعل رسالة في أيسر كلفة. وحينئذ فإذا أراد الكاتب نقل الخطبة إلى الرسالة أمكنه ذلك، فإذا أكثر صاحب هذه الصناعة من حفظ الخطب البليغة، وعلم مقاصد الخطابة وموارد الفصاحة ومواقع البلاغة، وعرف مصاقع الخطباء ومشاهيرهم، اتسع له المجال في الكلام وسهلت عليه مستوعرات النثر، وذلّلت له صعاب المعاني، وفاض على لسانه في وقت الحاجة ما كمن في ذلك بين ضلوعه فأودعه في نثره وضمنه في رسائله، فاستغنى عن شغل الفكر في استنباط المعاني البديعة، ومشقّة التعب في تتّبع الألفاظ الفصيحة، التي لا تنهض فكرته بمثلها ولو جهد، ولا يسمح خاطره بنظيرها ولو دأب. إن الخطب جزء من أجزاء الكتابة، ونوع من أنواعها، يحتاج الكتّاب إليها في صدور بعض المكاتبات، وفي البيعات والعهود والتقاليد والتفاويض وكبار التواقيع والمراسيم، والمناشير؛ على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى؛ وما لعله ينشئه من خطبة صداق أو رسالة أو نحو ذلك. وكذلك يعرف مصاقع الخطباء، ومشاهير الفصحاء، والبلغاء، كقسّ بن ساعدة الإياديّ الذي تقدّمت خطبته آنفا في صدر الخطب. وسحبان الوائليّ: وهو رجل من بني وائل، لسن بليغ يضرب به المثل في البيان، وغيرهما ممن يضرب به المثل في الفصاحة والبلاغة؛ ومن ينسب إلى العيّ والغباوة كباقل: وهو رجل من العرب اشترى ظبيا بأحد عشر درهما فقيل له بكم اشتريته ففتح كفيه وفرّق أصابعه العشرة وأخرج لسانه؛ يشير بذلك إلى أحد عشر ولم يحسن التعبير عنها، فانفلت الظبي فضرب به المثل في العيّ. فإذا عرف البليغ وغير البليغ، وعالي الرتبة وسافلها، وعرّض حينئذ بذكر من أراد منهم مقايسا للفاضل بمثله، وللغبيّ بنظيره: كما قال القاضي الفاضل في بعض رسائله، في

جواب كتاب ورد عليه من بعض إخوانه:

فأما شوقه لعبده فالمولى قد أبقاه الله قد أوتي فصاحة لسان، وسحب ذيل العيّ على سحبان.

وكما قال الشيخ ضياء الدين أحمد القرطبي من رسالة كتب بها للشيخ تقيّ الدين بن دقيق العيد، يصف رسالة وردت منه عليه: إنّ كلمها يميس في صدورها وأعجازها، وتنثال عليها أعراض المعاني بين إسهابها وإيجازها، فهي فرائد ائتلفت في أبكار الوائليّ والإيادي.

النوع التاسع مما يحتاج إليه الكاتب من حفظ جانب جيد من مكاتبات الصدر الأوّل،

ومحاوراتهم، ومراجعاتهم، وما ادّعاه كل منهم لنفسه أو لقومه، والنظر في رسائل المتقدّمين من بلغاء الكتاب، وفيه ثلاثة مقاصد

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.