تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

القسم الثالث ما يختص به النساء (٢)

ويرجع إلى أصلين مذمومين في الرجل؛ وهما الجبن والبخل؛ وذلك أن المرأة إذا جبنت كفّت عن المساوي خوفا على نفسها أو عرضها، وإذا بخلت حفظت مال زوجها عن الضيّاع والإتلاف؛ وحينئذ فتكون أوصاف الرجال الممدوحة أربعة أوصاف: اثنان يشتركون فيهما مع النساء؛ وهما العقل والعفة؛ واثنان ينفردون بهما عن النساء؛ وهما العدل والشجاعة.

وتكون أوصاف النساء الممدوحة أربعة أيضا: اثنان يشتركن فيهما مع الرجال؛ وهما العقل والعفة؛ واثنان ينفردن بهما عن الرجال؛ وهما الجبن والبخل؛ فيمدح كل من الصنفين بما هو مشتمل عليه بحسب ما يقتضيه المقام وما يوجبه الحال.

قال قدامة بن جعفر الكاتب في نقد الشعر: ومدائح الرجال تنقسم بحسب الممدوحين من أصناف الناس في الارتفاع والاتضاع، وضروب الصناعات والتبدّي والتحضّر؛ فيحتاج إلى الوقوع على المعنى اللائق بمدح كلّ؛ فمدح الملوك يكون بما يلائم قدرهم من رفعة القدر وعلو الرتبة والانفراد عن المثل والقرين؛ كقول النابغة في النعمان بن المنذر:

ألم تر أنّ الله أعطاك سورةترى كلّ ملك دونها يتذبذب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»
بأنك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب

وما يجري مجرى ذلك؛ ومدح الوزير الكاتب بما يليق بالعقل والدّربة، وحسن التنفيذ والسياسة، فإن أضيف إلى ذلك الوصف بالسرعة في إصابة الحزم، والاستغناء بحضور الذهن عن الإبطاء لطلب الإصابة كان أحسن وأكمل للمدح كما قيل:

بديهته مثل تفكيرهمتى رمته فهو مستجمع

وكما قيل:

يرى ساكن الأوصال باسط وجههيريك الهويني والأمور تطير

ويمدح القائد يعني الأمير الذي يقود الجيش بما يجانس البأس والنجدة، ويدخل في باب البطش والبسالة، فإن أضيف إلى ذلك المدح بالجود والسماحة والحذق والبذل والعطية كان أحسن وأتم، من حيث إن السخاء أخو الشجاعة، وهما في أكثر الأمور موجودان في ذوي بعد الهمة، والإقدام والصولة، كما قال بعضهم جامعا بين البأس والجود:

فتّى دهره شطران ممّا ينوبهففي بأسه شطر وفي جوده شطر
فلا من بغاة الخير في عينه قذىولا من زئير الحرب في أذنه وقر

قال: وتمدح السّوقة والمتعيشون بأصناف الحرف وضروب المكاسب، والصّعاليك بما يضاهي الفضائل النفسانية من العقل والعفّة والعدل والشّجاعة، خاليا عن مثل الملوك ومن تقدّم ذكره من الوزراء والكتّاب والقوّاد.

ويمدح ذو والشجاعة منهم بالإقدام والفتك والتشمير والتيقّظ والصبر مع التحذّق والسّماحة وقلّة الاكتراث بالخطوب الملمة ونحو ذلك.

قلت: ويؤخذ مما ذكره قدامة أن القضاة والعلماء يوصفون بما يليق بمحلهم من ذلك، فيوصف العالم بثقابة الذهن، وحدّة الفهم، وسعة الباع في الفضل؛ وما يجري مجرى ذلك، ويوصف القضاة بذلك وبالعدل والعفة ومباينة الجور ونحو ذلك؛ وستقف في قسم الولايات في نسخ البيعات والعهود والتقاليد والتواقيع

والتفاويض والمراسيم ونحوها من ذلك بما يتضح لك به سواء السبيل.

واعلم أن الكاتب كما يحتاج إلى معرفة الصفات المحمودة من النوع الإنسانيّ كذلك يحتاج إلى معرفة الصفات المذمومة منه؛ فربما احتاج إلى الكتابة بذم شيء من ذلك فيكون عنده من العلم بالصفات المذمومة ما يتّفق معه؛ كما حكي أن بعض العمال بعث إلى الرشيد بعبد أسود فقلب كتابه ووقّع عليه: أما بعد فإنّك لو وجدت عددا أقل من الواحد، أوّ لونا شرّا من السواد لبعثت به إلينا والسلام.

ولا يخفى أن كل ما خالف صفة من الصفات المستحسنة المتقدّمة فهو مستقبح، مع ما هو معلوم من الصفات المذمومة الجسمية، كالحدب والحول ونحوهما؛ ومن الصفات المعنوية، كسوء الخلق وبذاءة اللسان ونحو ذلك. وفي هذا مقنع في الإرشاد إلى المراد والتنبيه على القصد.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.