تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الرابع: الصّفرة

؛ فإن كانت صفرته خالصة تشبه لون الذهب وعرفه وذيله

أصهبان مائلان إلى البياض قيل: أصفر خالص؛ فإن كانا أبيضين قيل: أصفر فاضح؛ فإن كانا أسودين قيل: أصفر مطرّف، وهو الذي يسمونه في زماننا الحبشيّ؛ فإن كان أصفر ممتزجا ببياض قيل: أشهب سوسنيّ؛ فإن كان في أكارعه خطوط سود قيل: موشيّ.

وأما شياتها وهي البياض المخالف للونها، فمنها: الغرّة؛ وهي البياض الذي يكون في وجه الفرس إذا كان قدره فوق الدّرهم؛ فإن كان دون الدرهم قيل في الفرس أقرح والعامة تقول فيه: أغرّ شعرات؛ فإن جاوز البياض قدر الدرهم قيل فيه: أعرم؛ ثم أوّل رتبة الغرّة يقال له: النّجم؛ فإن سالت الغرّة ورقّت ولم تجاوز جبهته قيل فيه: أغرّ عصفوريّ؛ فإن تمادت حتّى جلّلت خيشومه ولم تبلغ جحفلته قيل: أغرّ شمراخيّ؛ فإن ملأت جبهته ولم تبلغ العينين قيل: أشدخ؛ فإن أصابت جميع وجهه إلا أنه ينظر في سواد قيل: مبرقع؛ فإن فشت حتّى جاوزت عينيه وابيضّت منها أشفاره قيل: مغرب؛ فإن أصابت منه خدّا دون خدّ قيل: لطيم أيمن أو أيسر؛ فإن كان بشفته العليا بياض قيل: أرثم؛ وإن كان بالسفلى بياض قيل: ألمظ؛ فإن نالهما جميعا قيل: أرثم ألمظ.

ومنها: التحجيل في الرّجلين وما في معنى ذلك؛ إن كان البياض في مؤخر الرّسغ لم يستدر عليه قيل في الفرس: منعل؛ وإن كان في الأربع قيل: منعل الأربع؛ أو في بعضها أضيف إليه فقيل: منعل اليدين أو الرجلين أو اليد أو الرجل

اليمنى أو اليسرى؛ فإن استدار على الرّسغ؛ وهو المفصل الذي يكتنفه الوظيف والحافر وكان في إحدى الرجلين قيل: أرجل؛ وإن كان في الرجلين جميعا قيل:

مخدّم وأخدم؛ فإن جاوز رسغ الرّجل واتصل بالوظيف؛ وهو ما بين الكعب وبين أسفله ولم يجاوز ثلثيه قيل: محجّل، أخذا من الحجل؛ وهو الخلخال؛ فإن كان في رجل واحدة قيل: محجّل الرجل اليمنى أو الرجل اليسرى؛ فإن كان في الرجلين جميعا قيل: محجّل الرجلين؛ فإن كان معه في إحدى اليدين بياض يجاوز الرّسغ إلى دون ثلثي الوظيف قيل: محجّل الثلاث مطلق اليد اليمنى أو اليسرى؛ فإن كان البياض في اليد الأخرى كذلك قيل: محجّل الأربع؛ فإن كان البياض في اليدين فقط قيل: أعصم، سواء جاوز الرسغ أم لا؛ ولا يطلق التحجيل على اليدين أو إحداهما إلا بانضمام إلى تحجيل الرجلين أو إحداهما؛ فإن كان في اليد الواحدة قيل: أعصم اليد اليمنى أو اليسرى؛ وإن كان فيهما قيل: أعصم اليدين، وإن كان التحجيل في يد ورجل من جانب واحد قيل: ممسك؛ وإن كان ذلك من الجانب الأيمن قيل: ممسك الأيامن مطلق الأياسر؛ وإن كان بالعكس قيل: ممسك الأياسر مطلق الأيامن؛ وإن كان التحجيل في يد ورجل من خلاف فهو الشّكال؛ وقيل: الشكال بياض القائمتين من جانب، وقيل: بياض ثلاث قوائم؛ فإن تعدّى البياض حتّى جاوز عرقوبي الرّجلين أو ركبتي اليدين قيل فيه:

مجبّب؛ فإن علا البياض حقوي رجليه ومرفقي يديه قيل: أبلق؛ فإن زاد على ذلك حتّى بلغ الأفخاذ والأعضاد قيل: أبلق مسرول؛ فإن اختص البياض بيديه وطال حتّى بلغ مرفقيه قيل: أقفز ومقفّز؛ فإن كان البياض في الوظيف غير متصل بالرسغ ولا بالعرقوب ولا بالرّكبة قيل: موقّف.

ومنها: الشّيات التي تتخلل سائر جسدها؛ فإن كان الفرس مبيضّ الأذنين أو في أذنيه نقش بياض دون سائر لونه قيل فيه: أذرأ؛ وإن كان مبيض الرأس قيل:

أصقع؛ فإن ابيضّ قفاه قيل: أقنف؛ فإن شابت ناصيته قيل: أسعف؛ فإن ابيضّت جميعها قيل: أصبغ الناصية؛ فإن غشّى البياض جميع رأسه قيل: أغشى، وربما قيل فيه: أرخم؛ فإن ابيضّ رأسه وعنقه جميعا قيل: أدرع؛ فإن أبيضّ ظهره قيل:

أرحل؛ فإن كان ذلك البياض من أثر الدّبر قيل: مصرد؛ فإن ابيضّ بطنه قيل:

أنبط؛ فإن ابيضّ جنباه قيل: أخصف؛ فإن كان البياض بأحد جنبيه قيل: أخصف الجنب الأيمن أو الأيسر؛ فإن ابيضّ كفله قيل: آزر؛ فإن ابيض عرض ذنبه من أعلاه قيل: أشعل؛ فإن ابيض بعض هلبه دون بعض قيل: مخصّل؛ فإن ابيضّ جميع هلبه قيل: أصبغ هلب الذّنب؛ فإن عدا عرقوبه البياض جملة قيل:

بهيم ومصمت من أيّ لون كان.

وأما ما يستحسن من أوصافها فقد قال العلماء بأمر الخيل: يستحبّ في الفرس: دقّة الأذنين وطولهما وانتصابهما، ودقة أطرافهما، وقرب ما بينهما؛ وكل ذلك من علامات العتق؛ وفي الناصية: اعتدال شعرها في الطّول، بحيث لا تكون خفيفة الشعر ولا مفرطة في كثرته؛ ويقال في هذه: الناصية الجثلة.

ويستحبّ مع ذلك: لين الشّكير- وهو ما طاف بجنب الناصية من الزّغب- ويستحب: عظم الرأس وطوله وسعة الجبهة، وأسالة الخدّ، وملاسته، ودقّته، وقلّة لحم الوجه، وعري الناهضين- وهما عظمان في الخدّ- وسعة العين، وصفاء الحدقة؛ وذلك كله من علامات العتق. ويستحبّ في العين: السّموّ والحدّة ورقّة الجفون وبعد نظره.

قال ابن قتيبة: وهم يصفونها بالقبل والشّوس والخوص، وليس ذلك فيها عيبا ولا هو خلقة، وإنما تفعله لعزة أنفسها. ويستحبّ في المنخر:

السّعة، لأنه إذا ضاق شقّ عليه النّفس، قال: وربما شقّ منخره لذلك وبعد ما بين المنخرين. ويستحب في الفم: الهرت- وهو طول شقّ شدقيه من الجانبين- لأنه أوسع لخروج نفسه، ورقة الجحفلتين وهما الشفتان لأنه دليل العتق، وطول اللسان ليكثر ريقه فلا ينبهر، ورقته لأنه أسرع لقضمه العلف، وصفاء الصهيل لأنه دليل صحة رئته وسهولة نفسه. ويستحب في العنق: الطّول، فقد كان سلمان ابن ربيعة يفرق بين العتاق والهجن، فدعا بطست من ماء فوضعت بالأرض ثم قدّمت الخيل إليها واحدا واحدا فما ثنى سنبكه منها ثم شرب هجّنه؛ وما شرب ولم يثن سنبكه جعله عتيقا، لأن في أعناق الهجن قصرا فلا تنال الماء حتّى تثني سنابكها؛ وقد روي أنه هجّن فرس عمرو بن معدي كرب فاستعدى عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فقال سلمان: ادع بإناء فيه ماء! ثم أتي بفرس عتيق لا شك في عتقه فأشرع في الإناء فصف بين سنبكيه ومدّ عنقه فشرب؛ ثم قال: ائتوني بهجين لا شك فيه! فأشرع فبرك فشرب؛ ثم أتي بفرس عمرو بن معدي كرب فأشرع فصف بين سنبكيه ومدّ عنقه ثم ثنى أحد سنبكيه قليلا فشرب؛ فقال عمر: أنت سلمان الخيل.

ويستحب فيها مع ذلك الكبر لأنه أقرب لانقياده وعطفه، وغلظ مركّب عنقه

ودقّة مذبحه. ويستحب فيه: ارتفاع الكتفين والحارك والكاهل؛ وقصر الظهر وعرض الصّهوة- وهي مقعد الفارس في الظهر- وارتفاع القطاة- وهي مقعد الرّدف من الظهر أيضا- وقلة لحم المتنين وهما ما تحت دفتي السرج من الظهر.

ويستحب في الكفل: الاستواء والاستدارة والملاسة والتدوير. ويستحب: طول السّبيب؛ وهو الشعر المسترسل في ذيله، وقصر العسيب؛ وهو عظم الذنب وجلده؛ ولذلك قال بعض الأعراب: اختره طويل الذّنب قصير الذّنب يعني طويل الشعر قصير العسيب.

قال ابن قتيبة: ويستحب أن يرفع ذنبه عند العدو، ويقال: إن ذلك من شدّة الصّلب ويستحب عرض الصدر؛ وهو ما عرض حيث ملتقى أعلى لببه، ويسمّى: اللّبان والكلكل؛ وكذلك ارتفاعه عن الأرض مع دقّة الزّور، وهو ما استدق من صدره بين يديه بحيث يقرب ما بين المرفقين لأنه أشدّ له وأقوى لجريه.

ويستحب فيه: عرض الكتف وغلظه وقصر النّسا، وهو عرق في الساق مستبطن الفخذ، وشنجه وقصر وظيف اليد؛ وهو قصب يديه، وقصر الرّسغ، ودقّة إبرة العرقوب وتحديده، لأنه أشدّ لقصب الساق؛ وطول وظيف الرجل ليخذف الأرض بها فيكون أشدّ لعدوه، وغلظ عظم القوائم، وغلظ الحبال؛ وهي عصب الذراعين، ولطف الرّكبة، وقرب ما بين الركبتين، وشدّة كعبه، لأن ضعف الكعب داعية الجرد، وانحناء الرجلين وتوتّرهما، وبعد ما بين الرجلين؛ وهو الفحج،

لأنه أشد لتمكّن رجليه من الأرض. ويستحب: صفاء الحافر، وصلابته، وسعته، وكونه أزرق أو أخضر غير مشوب ببياض؛ لأن البياض دليل الضعف فيه؛ وأن يكون مع ذلك فيه تقعّب، ولطف نسوره؛ وهي شيء في باطن حافره كالنوى، لأنه إذا ضاق موضعها كان أصلب لحافره؛ وأن تكون أطراف سنابكه وهي مقادم حوافره رقيقة.

ويستحب فيه مع ذلك كلّه: اتساع إهابه وهو جلده، ورقّة أديمه، وصفاء لونه، ولين شعره، وكثرة عرفه، وكثرة نومه، وسعة خطوه، وخفّة عنانه، ولين ظهره، وحسن استقلاله في أوّل سيره، وخفّة وقع قوائمه على الأرض إذا مشى، وشدّة وقعها إذا عدا، مع حدّة نفسه وسرعة عدوه، واتساع طرقته؛ وقد يغتفر القطاف في المشي في دوابّ الجري.

ثم إنه قد يحتمل فوات آلة الحسن والفراهة في المشي ولا يغتفر النقص في آلة الجودة وشدّة العدو والصّبر، لأن بهما يدرك ما يطلب، وينجو مما يهرب.

وأما ما يستقبح ويذمّ من أوصافها، فقد ذكروا للفرس عدّة عيوب، بعضها خلقية وبعضها حادثة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.