من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الصنف الأوّل المسك
وهو أجلّها. قال محمد بن أحمد التميميّ المقدسي في كتابه «طيب العروس»: وأصل المسك من دابة ذات أربع، أشبه شيء بالظبي الصغير؛ قيل: لها قرن واحد، وقيل: قرنان، غير أن له نابين رقيقين أبيضين في فكه الأسفل خارجين من فيه، قائمين في وجهه كالخنزير.
قال بعص أهل المعرفة بالمسك: وهو فضل دمويّ يجتمع من جسمها إلى سرتها، بمنزلة المواد التي تنصبّ إلى الأعضاء في كل سنة في وقت معلوم، فيقع الورم في سرّتها ويجتمع إليها دم غليظ أسود فيشتدّ وجعها حتّى تمسك عن الرّعي وورود المياه حتّى يسقط عنها.
ثم قيل: إن تلك الظباء تصاد وتذبح وتؤخذ سررها بما عليها من الشعر،
والمسك فيها دم عبيط؛ وهي النوافج؛ فإن كانت النافجة كثيرة الدم اكتفي بما فيها، وإن كانت واسعة قليلة الدم زيد فيها من غيرها، ويصب فيها الرصاص المذاب وتحاط بالخوص وتعلق في حلق مستراح أربعين يوما، ثم تخرج وتعلق في موضع آخر حتّى يتكامل جفافها وتشتد رائحتها، ثم تصيّر النوافج في مزاود صغار وتخيطها التّجّار وتحملها، وقيل: إنه يبنى لهذه الظباء حين يعرض لها هذا العارض بناء كالمنارة في طول عظم الذراع لتأتي الظباء فتحك سررها بذلك البناء فتسقط النوافج، حتّى إنه يوجد في تلك المراغة ألوف من النوافج ما بين رطب وجامد.
ثم قيل: إن هذه الظباء توجد بمفازات بين الصين وبين التّبّت والصّغد من بلاد الترك؛ وإن أهل التّبّت يلتقطون ما قرب إليهم، وقد قيل: إن المسك يحمل إلى التّبّت من أرض بينها وبين التّبّت مسيرة شهرين.
وبالجملة فإنه تختلف أسماء أنواعه باختلاف الأماكن التي ينسب إليها؛ إما باعتبار أصل وجوده فيها، وإما باعتبار مصيره إليها.
وأجوده في الجملة: ما طاب مرعى ظبيه؛ ومرعى ظبيه؛ ومرعى ظبائه النبات الذي يتخذ منه الطيب كالسنبل ونحوه؛ ولا يخفى أن بعض نبات الطيب أطيب رائحة من بعض، حتّى يقال إن منه ما رائحته كرائحة المسك. وقيل أجوده: ما كمل في الظبي قبل بينونته عنه.
وقال أحمد بن يعقوب: وأجود المسك في الرائحة والنظر ما كان تفّاحيّا تشبه رائحته رائحة التفاح اللّبنانيّ، وكان لونه يغلب عليه الصّفرة، ومقاديره وسطا بين الجلال والرّقاق، ثم ما هو أشدّ سوادا منه إلا أنه يقاربه في الرأي والمنظر، ثم ما هو أشدّ سوادا منه، وهو أدناه، قدرا وقيمة. قال وبلغني عن تجّار الهند: أن من المسك صنفين آخرين يتّخذان من نبات أرض: أحدهما لا يفسد بطول المكث، والثاني يفسد بطول المكث؛ والمشهور منه عشرة أصناف.
ونحن نوردها على ترتيبها في الفضل مقدّما منها في الذكر الأفضل فالأفضل على ما رتّبه أحمد:
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع