من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الأوّل- اللوح
. قال تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
قرأ العامّة بفتح اللام على أن المراد اللوح واحد الألواح؛ سمي بذلك لأن المعاني تلوح بالكتابة فيه؛ ثم اختلفوا، فقرأ نافع برفع محفوظ على أنه نعت للقرآن بتقدير بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وصفه بالحفظ لحفظه عن التغيير والتبديل والتحريف. قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
، وقرأ الباقون بالجرّ على نعت اللوح. قال أبو عبيد: وهو الوجه، لأن الآثار الواردة في
اللوح المحفوظ تصدق ذلك، وهو أمّ القرآن، منه نسخ القرآن الكريم والكتب المنزّلة، ومنه تنسخ الملائكة أعمال الخلق. قال ابن عباس: وهو لوح من درّة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدّرّ والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وأصله في حجر ملك. وقال أنس: اللوح المحفوظ في جبهة إسرافيل ﵇، وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش.
قال ابن عباس: وفي صدر اللوح مكتوب: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله وصدّق بوعده واتّبع رسله أدخله الجنة». وسمي محفوظا لأن الله تعالى حفظه عن الشياطين، وقيل: حفظه بما ضمنه.
وقيل: اللوح صدر المؤمن.
وقرأ يحيى بن يعمر في لوح بضم اللام، وهو الهواء، يقال لما بين السماء والأرض اللّوح، والمعنى أنه شيء يلوح للملائكة فيقرأونه، وهو ذو نور وعلوّ وشرف، وقد ورد في القرآن بلفظ الجمع، قال تعالى: وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
يريد ألواح التوراة. قال الكلبيّ: كانت من زبرجدة خضراء. وقال سعيد بن جبير: من ياقوتة. وقال مجاهد: من زمرّد أخضر. وقال أبو العالية والربيع بن أنس: من برد. وقال الحسن: خشب، وقد روى أن النبيّ ﷺ قال: «الألواح الّتي أنزلت على موسى من سدر الجنّة، وكان طول كلّ لوح منها اثني عشر ذراعا». وقال وهب بن منبه: من صخرة صمّاء ألانها الله له فقطعها بيده، ثم قطعها بأصابعه.
واختلف في عددها، فقيل: سبعة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس؛ وقيل: لوحان، رواه أبو صالح عن ابن عباس أيضا، وجمعت على عادة العرب في
إيقاع الجمع على التثنية كما في قوله تعالى: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ
يريد داود وسليمان ﵉ واختاره الفراء. وقيل: عشرة، قاله ابن منبه. وقيل:
تسعة، قاله مقاتل. وقال أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع