من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الصنف الخامس مراعاة فواصل الكلام
قال في «مواد البيان»: وذلك بأن تميز الفصول المشتمل كلّ فصل منها على نوع من الكلام عمّا تقدّمه: لتعرف مباديء الكلام ومقاطعه؛ فإن الكلام ينقسم فصولا طوالا وقصارا، فالطّوال كتقسيم منثور المترسل إلى رسائله، ومنظوم الشاعر إلى قصائده، ومثل هذا لا يحتاج إلى تفصيل، لأنه لا يشكل الحال فيه في الرسالة أو القصيدة بغيرها اتصالا وانفصالا.
والفصول القصار كانقسام الرسالة إلى الفصول، والقصيدة إلى الأبيات، ومثل هذا قد يشكل، فينبغي أن تميز تمييزا يؤمن معه من الاختلاط، فإن ترتيب
الخط يفيد ما يفيده ترتيب اللفظ. وذلك أن اللفظ إذا كان مرتّبا تخلّص بعض المعاني من بعض، وإذا كان مخلّطا أشكلت معانيه، وتعذر على سامعه إدراك محصوله.
وكذلك الخط إذا كان متميز الفصول، وصل معنى كلّ فصل منه إلى النفس على صورته، وإذا كان متصلا دعا إلى إعمال الفكر في تخليص أغراضه.
وقد اختلفت طرق الكتّاب في فصول الكلام الذي لم يميّز بذكر باب أو فصل ونحوه. فالنّسّاخ يجعلون لذلك دائرة تفصل بين الكلامين، وكتّاب الرسائل يجعلون للفواصل بياضا يكون بين الكلامين من سجع أو فصل كلام، إلا أن بياض فصل الكلامين يكون في قدر رأس إبهام، وفصل السجعتين يكون في قدر رأس خنصر.
قال في «موادّ البيان»: وينبغي ألّا تكون الجملة في آخر السطر والفاصلة في أوّل السطر الذي يليه؛ فإنه ملبس لاتصال الكلام؛ بل لا يجعل في أوّل السطر بياضا أصلا لأنه يقبح بذلك لخروجه عن نسبة السطور؛ ولا أن يفسح بين السطر والذي يليه إفساحا زائدا عما بين كل سطرين، ولكن يراعي ذلك من أوّل شروعه في كتابة السطر فيقدّر الخط بالجمع والمشق حتّى يخلص من هذا العيب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع