من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
القاعدة الأولى- مدينة «منف»
قال في «تقويم البلدان»: (بكسر الميم وسكون النون وفاء في الآخر) والجاري على الألسنة منف (بفتح الميم) وموقعها في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة.
قال في «الأطوال»: طولها ثلاث وخمسون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها ثلاثون درجة وعشرون دقيقة، وهي أوّل مدينة بنيت بمصر بعد الطوفان، بناها مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ حين نزل مصر.
قال في «الروض المعطار»: وأصلها بالسريانية مافه، ومعناها بالعربية ثلاثون؛ وذلك أن مصر حين نزلها كان في ثلاثين رجلا من أهل بيته، فسماها بعددهم.
قال ابن الأنباري في كتابه «الزاهر»: وهي على اثني عشر ميلا من الفسطاط.
قلت: ومنف هذه في جنوبي الفسطاط على القرب من البلدة المعروفة
بالبدرشين من عمل الجيزة، وهي المعروفة بمصر القديمة، وقد خربت وصارت كيمانا، وبها آثار بنيان من الحجر الكذّان يوجد تحت الردم، على القرب من أحجار الأهرام في العظمة والمقدار، وبوسطها آثار برباة بها صنمان عظيمان من حجر صوّان أبيض، طول كل صنم منهما نحو عشرين ذراعا، وهما مطروحان على الأرض، وقد غطّى الطين أسفلهما.
وكان على القرب منهما بيت عظيم من حجر أخضر، قطعة واحدة: جوانبه الأربعة وأرضه وسقفه، ولم يزل على ذلك إلى الدولة الناصرية حسن بن الناصر محمد بن قلاوون، وأراد الأمير شيخو أتابك العساكر نقله إلى القاهرة صحيحا فعولج فانكسر فأمر بأن تنحت منه أعتاب فنحتت وجعل منها أعتاب خانقاه وجامعه بصليبة الجامع الطولوني؛ وشرقي هذه المدينة معالم سور مبني بالحجر الكذّان النحيت فصوصا صغارا بالطين والجير الذي قد علمت، لونه لون الحجر.
ويقال: إنه سور الأهراء التي بناها يوسف ﵇ لادخار الحنطة في سنبلها.
ويذكر بعض أهل البلاد أنه يوجد بعض السّنبل الذي أخبر به يوسف ﵇ تحت تلك الأرض إلى الآن. وأنه في المقدار فوق مقدار الحنطة المتعارفة بقليل.
وفي شماليّ هذه المدينة بلدة صغيرة تعرف بالعزيزية، يقال إنها كانت منزلة العزيز وزير الملك، وهناك مكان على القرب منها يعرف بزليخا، وفي غربيّها إلى الشّمال في سفح جبل مصر الغربيّ سجن يوسف ﵇، وإلى جانبه مسجد موسى ﵇، وعلى القرب من السّور المقدّم ذكره مسجد يعقوب ﵇.
ويقال: إن النيل كان تحت هذا السّور، وهناك مكان يعرف بالمقياس إلى الآن.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع