من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الجملة الثامن في جلوس الوزير للمظالم إذا كان صاحب سيف، وترتيب جلوسه
(الطرف الثامن) في جلوس الوزير للمظالم إذا كان صاحب سيف، وترتيب جلوسه يجلس الوزير في صدر المكان، وقاضي القضاة مقابله، وعن جانبيه شاهدان من المعتبرين، وكاتب الوزير بالقلم الدقيق، ويليه صاحب ديوان المال، وبين يديه صاحب الباب واسفهسلار، وبين أيديهما النوّاب والحجّاب على طبقاتهم. وذلك يومان في الاسبوع.
وقد رثاهم عمارة اليمنيّ بعد انقراضهم واستيلاء السلطان صلاح الدين بن أيوب على المملكة بقصيدة وصف فيها مملكتهم، وعدّ مواكبهم، وحكى مكارمهم، وجلّى محاسنهم، وهي:
رميت يا دهر كفّ المجد بالشّللوجيده بعد حسن الحلي بالعطل
سعيت في منهج الرّأي العثور فإنقدرت من عثرات الدّهر فاستقل
جدعت مارنك الأقنى فأنفك لاينفكّ ما بين أمر الشين والخجل
هدمت قاعدة المعروف عن عجلشقيت، مهلا أما تمشي على مهل
لهفي ولهف بني الآمال قاطبةعلى فجيعتها في أكرم الدّول
قدمت مصر فأولتني خلائفهامن المكارم ما أربى على أملي
قوم عرفت لهم كسب الألوف ومنكمالها أنها جاءت ولم أسل
وكنت من وزراء الدّست حيث سمارأس الحصان بهاديه على الكفل
ونلت من عظماء الجيش تكرمةوخلّة حرست من عارض الخلل
يا عاذلي في هوى أبناء فاطمةلك الملامة إن قصّرت في عذلي
بالله! زر ساحة القصرين وابك معيعليهما لا على صفّين والجمل!
وقل لأهليهما: والله ما التحمتفيكم جروحي ولا قرحي بمندمل
ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلةفي نسل آل أمير المؤمنين علي
[هل كان في الأمر شيء غير قسمة ماملكتمو بين حكم السّبي والنّفل]
وقد حصلتم عليها واسم جدّكممحمد وأبوكم خير منتعل
مررت بالقصر والأركان خاليةمن الوفود، وكانت قبلة القبل
فملت عنها بوجه خوف منتقدمن الأعادي، ووجه الودّ لم يمل
أسبلت من أسفي دمعي غداة خلترحابكم وغدت مهجورة السّبل
أبكي على مأثرات من مكارمكمحال الزّمان عليها وهي لم تحل
دار الضّيافة) كانت أنس وافدكمواليوم أوحش من رسم ومن طلل
و (فطرة الصّوم) إذ أضحت مكارمكمتشكو من الدّهر حيفا غير محتمل
و (كسوة الناس) في الفصلين قد درستورثّ منها جديد عندهم وبلي
وموسم كان في (يوم الخليج) لكميأتي تجمّلكم فيه على الجمل
و (أوّل العام) و (العيدين) كم لكمفيهنّ من وبل جود ليس بالوشل
والأرض تهتزّ في (يوم الغدير) كمايهتز ما بين قصريكم من الأسل
والخيل تعرض في وشي وفي شيةمثل العرائس في حلي وفي حلل
وما حملتم قرى الأضياف من سعة الأطباقإلا على الأكتاف والعجل
وما خصصتم ببرّ أهل مملكةحتّى عممتم به الأقصى من الملل
كانت رواتبكم للوافدين وللضيفالمقيم والطّارى من الرّسل
ثم (الطّراز) بتنّيس الذي عظمتمنه الصّلات لأهل الأرض والدّول
وللجوامع من أخماسكم نعمممن تصدّر في علم وفي عمل
وربّما عادت الدّنيا فمعقلهامنكم وأضحت بكم محلولة العقل
والله! لا فاز يوم الحشر مبغضكمولا نجا من عذاب النّار غير ولي
ولا سقي الماء من حرّ ومن ظمأمن كفّ خير البرايا خاتم الرّسل
[ولا رأى جنة الله التي خلقتمن خان عهد الإمام العاضد بن علي]
أئمّتي وهداتي والذخيرة ليإذا ارتهنت بما قدّمت من عمل
والله لم نوفهم في المدح حقّهملأنّ فضلهم كالوابل الهطل
ولو تضاعفت الأقوال واستبقتما كنت فيهم بحمد الله بالخجل
باب النّجاة هم دنيا وآخرةوحبّهم فهو أصل الدّين والعمل
نور الدّجى ومصابيح الهدى وهممن نور خالص نور الله لم يغل
والله لا زلت عن حبّي لهم أبداما أخّر الله لي في مدّة الأجل
قلت: وعمارة هذا لم يكن على معتقد الشّيعة بل فقيها شافعيا، قدم مصر برسالة عن القاسم بن هاشم بن أبي فليتة أمير مكة إلى الفائز أحد خلفائهم في سنة خمسين وخمسمائة في وزارة الصالح طلائع بن رزّيك، فأحسنوا له وبالغوا في بره، فأقام عندهم وتألف بهم، وأتى فيهم من المدح بما بهر العقول، ولم يزل مواليا هم حتّى زالت دولتهم واستولى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀، فرثاهم بهذه القصيدة، فكانت آخر أسباب حتفه، فصلب فيمن صلب بين القصرين من أتباع الدولة الفاطمية.
تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع؛ وأوّله «الحالة الثالثة من أحوال المملكة، ما عليه ترتيب المملكة من ابتداء الدولة الأيوبية وإلى زماننا»
﷽
صلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع