تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الصنف الثاني من أرباب الوظائف الدينية من لا مجلس له بالحضرة السلطانية

وهذه الوظائف لا حصر لعددها على التفصيل، ولا سبيل إلى استيفاء ذكرها على تفاوت المراتب فوجب الاقتصار على ذكر المهمّ منها.

ثم هذه الوظائف منها ما هو مختصّ بشخص واحد، ومنها ما هو عامّ في أشخاص.

فأما التي هي مختصة بشخص واحد.

فمنها (نقابة الأشراف) وهي وظيفة شريفة، ومرتبة نفيسة؛ موضوعها التحدّث على ولد عليّ بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه من فاطمة بنت رسول الله ﷺ وهم المراد بالأشراف، في الفحص عن أنسابهم والتحدّث في أقاربهم والأخذ على يد المتعدّي منهم ونحو ذلك، وكان يعبّر عنها في زمن الخلفاء المتقدّمين بنقابة الطالبيّين.

ومنها (مشيخة الشيوخ) والمراد بها مشيخة الخانقاه التي أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاوون بسرياقوس من ضواحي القاهرة.

أما مشيخة الخانقاه الصلاحية بالقاهرة المعروفة بسعيد السعداء، فإنها وإن قدم زمنها وعظم قدرها دون تلك في المشيخة.

ومنها (نظر الأحباس المبرورة) وهي وظيفة عالية المقدار، وموضوعها أن صاحبها يتحدّث في رزق الجوامع والمساجد والرّبط والزوايا والمدارس من الأرضين المفردة لذلك من نواحي الديار المصرية خاصة، وما هو من ذلك على سبيل البرّ والصدقة لأناس معيّنين، وأصل هذه الوظيفة أن اللّيث بن سعد ﵀ اشترى أراضي من بيت المال في نواح من البلدان وحبّسها على وجوه البرّ، وهي المسماة بديوان الأحباس بوجوه العين، ثم أضيف إلى ذلك الرّباع والدور المعروفة بالفسطاط وغيره، ثم أضيف إليها رزق الخطابات، ثم كثرت الرّزق من الأرضين في الدولة الظاهرية بيبرس بواسطة الصاحب بهاء الدين بن حنا وأخذت في الزيادة إلى زماننا؛ وهي تارة يتحدّث فيها السلطان بنفسه، وتارة النائب، وفي غالب الوقت يتحدّث فيها الدّوادار الكبير على ما استقرّ عليه الحال آخرا.

ومنها (نظر البيمارستان) والمراد البيمارستان المنصوريّ الذي أنشأه المنصور قلاوون بين القصرين، وكان دارا لستّ الملك أخت الحاكم الفاطميّ فغيّر معالمه وزاد فيه، وليس له نظير في الدنيا في برّه ومعروفه؛ وهي من أجلّ

الوظائف وأعلاها؛ وعادة النظر فيه من أصحاب السيوف لأكبر الأمراء بالديار المصرية.

وأما التي هي عامّة في أشخاص.

فمنها (الخطابة) وهي في الحقيقة أجلّ الوظائف وأعلاها رتبة، إذ كان النبي ﷺ يفعلها بنفسه، ثم فعلها الخلفاء الراشدون فمن بعدهم، وهي على كثرة الجوامع بالديار المصرية بحيث إنها لا تحصى كثرة- لا يتعلق منها بولاية السلطان إلا القليل النادر: كجامع القلعة إلا إذا كان مفردا عن القضاء ونحو ذلك مما لا ناظر له خاصّ.

ومنها (التداريس) وهي على اختلاف أنواعها من الفقه والحديث والتفسير والنحو واللغة وغير ذلك لا يولّي السلطان فيها إلا فيما يعظم خطره ويرتفع شأنه مما لا ناظر له خاصّ كالمدرسة الصلاحية بجوار تربة الإمام الشافعي ﵁، والزاوية الصلاحية بالجامع العتيق بالفسطاط، وهي المعروفة بالخشابية، والمدرسة المنصورية بالبيمارستان المنصوريّ المتقدّم ذكره بين القصرين؛ ودرس الجامع الطولوني ونحو ذلك.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.