من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الطائفة الأولى أرباب السّيوف، وزيّهم راجع إلى أمرين
الأمر الأول (لبسهم). ويختلف الحال فيه باعتبار مواضع اللّبس من البدن.
فأما ما به تغطية رؤوسهم، فقد تقدّم أنهم كانوا في الدولة الأيوبية يلبسون كلّوتات صفر بغير عمائم، وكانت لهم ذوائب شعر يرسلونها خلفهم. فلما كانت الدولة الأشرفية «خليل بن قلاوون» ﵀، غير لونها من الصّفرة إلى الحمرة وأمر بالعمائم من فوقها، وبقيت كذلك حتّى حجّ الملك الناصر «محمد بن قلاوون» ﵀ في أواخر دولته فحلق رأسه فحلق الجميع رؤوسهم، واستمرّوا على الحلق إلى الآن، وكانت عمامتهم صغيرة فزيد في قدرها في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» فحسنت هيئتها وجادت، وهي على ذلك إلى زماننا.
وأما ثياب أبدانهم فيلبسون الأقبية التتريّة والتكلاوات فوقها ثم القباء الإسلاميّ فوق ذلك، يشدّ عليه السيف من جهة اليسار والصولق والكزلك من جهة اليمين.
قال السلطان عماد الدين صاحب حماة في «تاريخه»: وأول من أمر بذلك غازي بن زنكي أخو العادل نور الدين الشهيد حين ملك الموصل بعد أبيه، ثم
الأمراء والمقدّمون وأعيان الجند تلبس فوقه أقبية قصيرة الأكمام أقصر من القباء التحتانيّ بلا تفاوت كبير في قصر الكمّ وطوله، مع سعة الكم القصير وضيق الأكمام الطويلة.
ثم إن كان زمن الصيف كان جميع القماش من الفوقانيّ وغيره أبيض من النصافي ونحوه، وتشدّ فوق القباء الإسلاميّ المنطقة، وهي الحياصة، ومعظم مناطقهم من الفضة المطلية بالذهب، وربما جعلت من الذهب، وقد ترصّع باليشم. قال في «مسالك الأبصار»: ولا ترصّع بالجواهر إلا في خلع السلطان لأكابر أمراء المئين.
وإن كان زمن الشتاء كانت فوقانياتهم ملوّنة من الصوف النفيس والحرير الفائق، تحتها فراء السّنجاب الغض. ويلبس أكابر الأمراء السّمّور، والوشق، والقاقم والفنك، ويجعل في المنطقة منديلا لطيفا مسدلا على الصولق، ومعظمهم يلبس المطرّز على الكمّين من الزركش أو الحرير الأسود المرقوم. قال في «مسالك»: ولا يلبس المطرّز إلا من له إقطاع في الحلقة، أما من هو بعد بالجامكية، فلا يتعاطى ذلك.
وأما ما يجعل في أرجلهم، فإن كان في الصيف لبسوا الخفاف البيض العلوية، وإن كان في الشتاء لبسوا الخفاف الصفر من الأديم الطائفيّ، ويشدّون المهاميز المسقّطة بالفضة في القدم على الخف. قال في «مسالك الأبصار»: ولا يكفّت مهمازه بالذهب إلا من له إقطاع في الحلقة على ما تقدّم في لبس المطرّز.
الأمر الثاني (ركوبهم). أما ما يركبون، فالخيل المسوّمة النفيسة الأثمان خصوصا الأمراء ومن يلحق بشأوهم، ولا يركبون البغال بحال بل تركبها غلمانهم خلفهم بالقماش النفيس والهيئة الحسنة والقوالب المحلّاة بالفضة، وربما غشّي جميعها بالفضة بل ربما غشّي جميعها بالذهب للسلطان وأعيان الأمراء، ومعها العبي السابلة الملوّنة من الصوف الفائق، وربما جعلت من الحرير لأعيانهم، وقد يتخذ بدلها الكنابيش بالحواشي المخايش، وربما كانت زركشا للسلطان والأمراء، وتحلّى لجمهم وتسقّط بالفضة بحسب اختيار صاحبها، ويجعل الدّبّوس في حلقة متصلة بالسرج تحت ركبته اليمنى. قال صاحب حماة: وأول من أمرهم بذلك غازي بن زنكي حين أمرهم بشدّ السيوف في أوساطهم على ما تقدّم ذكره.
قال في «مسالك الأبصار»: وعلى الجملة فزيّهم ظريف وعددهم فائقة نفيسة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع