من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الهيئة السادسة هيئته في أسفاره
ولم تجر العادة فيها بإظهار ما تقدّم من الزينة في موكب العيد والميدان، بل يركب في عدّة كبيرة من الأمراء: الأكابر والأصاغر، والخواصّ، والغرباء،
وخواصّ مماليكه. ولا يركب في السّير برقبة ولا عصائب، ولا تتبعه جنائب، ويقصد في الغالب تأخير النزول إلى الليل. فإذا دخل الليل حملت أمامه فوانيس كثيرة ومشاعل، فإذا قارب مخيّمه، تلقّي بالشموع المركبة في الشمعدانات المكفّتة، وصاحت الجاويشية بين يديه، وترجل الناس كافة إلا حملة السلاح والأوشاقية وراءه، ومشت الطبردارية حوله حتّى يدخل الدهليز الأوّل من مخيّمه فينزل ويدخل إلى الشقة، وهي خيمة مستديرة متسعة، ثم منها إلى شقة مختصرة، ثم إلى لاجوق. وبدائر كل خيمة من جميع جوانبها من داخلها سور خركاه من خشب، وفي صدر اللاجوق قصر صغير من خشب ينصب للمبيت فيه، وينصب بإزاء الشقة حمّام بقدور من رصاص وحوض على هيئة الحمامات بالمدن إلا أنه مختصر. فإذا نام طافت به المماليك دائرة وطاف بالجميع الحرس، وتدور الزّفّة حول الدهليز في كل ليلة مرتين: عند نومه وعند استيقاظه من النوم، ويطوف مع الزّفّة أمير من أكابر الأمراء وحوله الفوانيس والمشاعل، ويبيت على باب الدهليز أرباب الوظائف من النقباء وغيرهم. فإذا دخل إلى المدينة، ركب على هيئة ركوبه لصلاة العيد بالمظلة وغيرها، هذا ما يتعلق بخاصته.
أما موكبه الذي يسير فيه جمهور مماليكه، فشعاره أن يكون معهم مقدّم المماليك والأستادار، وأمامهم الخزائن والجنائب والهجن، ويكون بصحبته في السفر من كل ما تدعو الحاجة إليه من الأطباء والكحّالين والجرائحية وأنواع
الأدوية والأشربة والعقاقير وما يجري مجرى ذلك، يصرف ذلك لمن يعرض له مرض بالطريق.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع