من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
النوع الثاني مما هو خارج عن حاضرة حلب العربان
واعلم أنه قد تقدّم في الكلام على آل فضل من عربان دمشق أن منازلهم ممتدّة بأراضي الشام إلى الرّحبة وجعبر في جانب الفرات، وتقدّم في الكلام على قواعد الشام المستقرة نقلا عن المقرّ الشهابيّ ابن فضل الله في «التعريف» أن جعبر كانت في زمانه من مضافات دمشق، وأن الواجب أن تكون من مضافات حلب، فإنها أضيفت بعده إلى حلب وحينئذ فيكون في بلاد حلب بعض عرب آل فضل المتقدّم ذكرهم هناك.
والمختصّ بأعمال حلب من العرب المشهورين قبيلتان:
القبيلة الأولى- (بنو كلاب) قال في «مسالك الأبصار»: وهم عرب
أطراف حلب والروم، ولهم غزوات عظيمة معلومة وغارات لا نعدّ، ولا تزال تباع بنات الروم وأبناؤهم من سباياهم، ويتكلمون بالتركية ويركبون الأكاديش، وهم عرب غزو، ورجال حروب، وأبطال جيوش، وهم من أشدّ العرب باسا، وأكثرهم ناسا. قال: ولإفراط نكايتهم في الرّوم صنّفت السيرة المعروفة «بدلهمة والبطّال» منسوبة إليهم بما فيها من ملح الحديث ولمح الأباطيل؛ ولكنهم لا يدينون لأمير منهم يجمع كلمتهم، ولو انقادوا لأمير واحد لم يبق لأحد من العرب بهم طاقة.
قال الحمدانيّ: وكان بنو كلاب قد ظهروا على آل ربيعة، وذلك أن الملك الكامل كان طلب من ماتع بن حديثة وغنّام بن الظاهر جمالا يحمل عليها غلالا إلى خلاط يقوتها بها، فاحتج بغيبة جماله في البرية، وكان بعض بني كلاب حاضرا فتكفّل له بحاجته من الجمال ووفى له بذلك، فحقد بها الملك الكامل على ماتع بن حديثة وغنام بن الظاهر واستوحشا منه ثم أتياه عند أخذه آمد، فوبّخهما فخرجا خائفين منه إلى أن فتح دمشق فأتياه بأنواع التّقادم وتقرّبا إليه بالخدمة. قال: وكانت بنو كلاب تخدم الملك الأشرف موسى وتصحبه لمتاخمة بلاد الروم.
قال في «مسالك الأبصار»: وكان سلطاننا يعني الناصر محمد بن قلاوون لا يزال ملتفتا إلى تألّف بني كلاب هؤلاء، وكان أحمد بن نصير المعروف بالتّتريّ قد عاث في البلاد والأطراف واشتدّ في قطع الطريق، فأمّنه وخلع عليه وأقطعه فانقادت بنو كلاب للطاعة، وكان الملك الناصر قد أمّر عليهم سليمان بن مهنّا
وجعل عليه حفظ جعبر وما جاورها.
القبيلة الثانية- (آل بشّار) - قال في «مسالك الأبصار»: وديارهم الجزيرة والأخصّ ببلاد حلب. قال: والأحلاف منهم حالهم في عدم الانقياد لأمير واحد حال بني كلاب. ولو اجتمعوا لما أمن بأسهم نقيم على تفرّق كلمتهم، وبسبب جماعتهم لا يزال آل فضل منهم على وجل، وطالما باتوا وقلوبهم منهم ملأى من الحذر، وعيونهم وسنى من السهر؛ وبينهم دماء؛ وهم وبنو ربيعة وبنو عجل جيران، وديارهم من سنجار وما يدانيها إلى البارة أو قريب الجزيرة العمرية إلى أطراف بغداد.
النيابة الثالثة نيابة أطرابلس، وفيها جملتان
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع