تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الجملة الثامنة (في ترتيب هذه المملكة)

أما جلوس السّلطان في قصره فإنه يجلس على مصطبة كبيرة، على دكّة كبيرة من آبنوس، كالتخت على قدر المجلس العظيم المتسع، عليها أنياب الفيلة في جميع جوانبها، الناب إلى الناب، وعنده سلاح له من ذهب كلّه: سيف، ومزراق، وقوس، وتركاش، ونشّاب، وعليه سراويل كبير، مفصّل من نحو عشرين نصفية، لا يلبس مثله أحد منهم، بل هو من خصوصيته، ويقف خلفه نحو ثلاثين مملوكا من التّرك وغيرهم ممن تبتاع له من مصر، بيد واحد منهم جتر من حرير عليه قبّة، وطائر من ذهب صفة بازي يحمل على يساره، وأمراؤه جلوس حوله يمينا وشمالا، ثم دونهم أعيان من فرسان عسكره جلوس، وبين يديه شخص يغنّي له وهو سيّافه، وآخر سفير بينه وبين الناس يسمّى الشاعر، وتنهى إليه الشّكاوى والمظالم فيفصلها بنفسه، ولا يكتب شيئا في الغالب، بل يأمر بالقول بلسانه، وحوله أناس بأيديهم طبول يدقّون بها، وأناس يرقصون وهو يضحك منهم، وخلفه صنجقان منشوران، وأمامه فرسان مشدودان محصّلان لركوبه متى أحبّ، ومن عطس في مجلسه ضرب ضربا مؤلما، لا يسامح أحد في مثل ذلك، فإن بغت أحدا منهم العطاس، انبطح في الأرض وعطس حتّى لا يعلم به. أما الملك فإنه إذا عطس ضرب الحاضرون بأيديهم على صدورهم. ولا يدخل أحد دار السلطان منتعلا كائنا من كان، ومن لم يخلع نعليه قتل بلا عفو: عامدا كان أو ساهيا، وإذا قدم عليه أحد من أمرائه أو غيرهم، وقف أمامه زمانا، ثم يومى القادم بيده اليمنى مثل من يضرب الجوك ببلاد توران وإيران من بلاد المشرق. وصفة ذلك أن يكشف مقدّم رأسه ويرفع الذي يضرب الجوك يده اليمنى إلى قريب أذنه، ثم يضعها وهي قائمة منتصبة، ويلقيها بيده اليسرى فوق فخذه، واليد اليسرى مبسوطة الكفّ لتلقي مرفق اليمنى مبسوطة الكف مضمومة الأصابع بعضها إلى جانب بعض كالمشط، تماسّ شحمة الأذن. قال ابن أمير حاجب: وقد رأيت هذا عند خدمتهم للسلطان «موسى» لما قدم الديار المصرية. فإذا أنعم على أحد بإنعام أو وعده وعدا

جميلا أو شكره على فعل، تمرّغ المنعم عليه بين يديه من أوّل المكان إلى آخره، فإذا وصل إلى آخر المكان، أخذ غلمان المنعم عليه أو من هو من أصحابه من رماد يكون موضوعا في آخر مجلس الملك معدّا لهذا الشأن، فيذرّ في رأس المنعم عليه، ثم يعود ويتمرّغ، إلى أن يصل بين يدي الملك، ويضرب جوكا آخر بيده ثم يقوم.

وأما في الركوب فقد جرت عادة سلطان هذه المملكة أنه إذا قدم من سفر أن يحمل على رأسه الجتر راكب، وينشر على رأسه علم، وتضرب أمامه الطّبول، والطّنابير، والبوقات بقرون لهم فيها صناعة محكمة. قال ابن أمير حاجب:

وشعار هذا السلطان أعلام وألوية كبار جدّا، ورنكه أصفر في أرض حمراء.

وأما غير ذلك من سائر أموره، فقد ذكر الشيخ سعيد الدّكّاليّ: أن من عادة هذا السلطان أنه إذا عاد إليه أحد ممّن بعثه في شغل له أو أمر مهمّ أن يسأله عن كلّ ما حدث له من حين مفارقته له وإلى حين عوده مفصّلا. قال ابن أمير حاجب: وقد رأيت السلطان موسى وهو بمصر لا يأكل إلا منفردا وحده، لا يحضره عند الأكل أحد البتّة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.