من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الطائفة الأولى (أولاد قرمان)
وهم أصحاب أرمناك وقسطمونية وما والاها من شرق هذه البلاد كما تقدم.
قال في «مسالك الأبصار»: وهم أهل بيت توارثوا هذه البلاد، ولا يخاطب قائم منهم إلا بالإمارة. قال في «التعريف»: وهم أجلّ من لدى ملوكنا من التّركمان: لقرب ديارهم، وتواصل أخبارهم، ولنكايتهم في متملّك سيس وأهل بلاد الأرمن، واجتياحهم لهم من ذلك الجانب، مثل اجتياح عساكرنا لهم من هذا الجانب.
قال: وأكبرهم قدرا، وأفتكهم نابا وظفرا، الأمير (بهاء الدين موسى) وحضر إلى باب السلطان وتلقّي بالإجلال، وأحلّ في ممتدّ الظّلال، وأورد موارد الزّلال، وأري ميامن أسعد من طلعة الهلال، وحجّ مع الركب المصريّ وقضى المناسك، وأسبل في ثرى تلك الرّبا بقيّة دمعه المتماسك، وشكر أمراء الركب دينه المتين، وذكروا ما فيه من حسن اليقين، وعاد إلى الأبواب السلطانية، وأجلس في المرتين مع أمراء المشورة، فأشرك في الرأي وسأل السلطان في منشور يكتب له بما يفتح
بسيفه من بلاد الأرمن ليقاتل بعلمه المنشور، ويجتني من شجر المرّان جنى عسله المشور، فكتبه له.
ثم قال: وهم على ما هم عليه يدارون ملوك التتار، وهو ومن سلف من أهل بيته مع ملوك مصر لا تغبّ المكاتبات بينهم، ولا ينقطع بذل خدمته لهم، وإقبالهم عليه، واعتدادهم بموالاته.
قال في «مسالك الأبصار»: وهم عصبة ذات أيد ويد، وجيوش كثيرة العدد، وهم أصحاب الحروب التي ضعضعت الجبال، ولهم مع الأرمن وبلاد التّكفور، وقائع لا يجحدها إلا الكفور، يتخطّفهم عقبانهم القشاعم [وتلتهمهم] أسودهم الضّراغم. قال: وهم أهل بيت ألقى الله عليهم محبة منه، وإذا شاء أميرهم جمع أربعين ألفا. ثم ذكر بعد ذلك بكلام طويل أنهم هم الذين كانوا ألّفوا بين سلامش وبين المنصور لاچين، وأنهم هم الذين لا يرتاب في رأيهم، ولا يطعن في دينهم، بل مهما ورد من جهتهم تلقّي بالقبول، وحمل على أحسن المحامل. ثم قال: وحكي عمّن تردّد إليهم وعرف ما هم عليه أنهم رجال صدق، وقوم صبر، لا تستخفّ لهم حفيظة، ولا تردّ بحنقها لهم صدور مغيظة، ولهذا أمراء الرّوم لا يطأون لهم موطئا يغيظ، ولا يواطئون لهم عدّة شهور في مشتى ولا مقيظ؛ وما أحد ممن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله إلا من يستجيش عليهم بالتتار، ويعدّد عليهم عظام الذنوب الكبار، ووقاية الله تكفيهم، وحياطته عن عيون القوم تخفيهم، ولذلك كان السلطان (محمود غازان) يقول: أنا أطلب الباغي شرقا وغربا، والباغي في ثوبي، يريد أولاد قرمان وتركمان الروم [ومع هذا لم يسلّط عليهم].
وحكي عن الصدر شمس الدين عبد اللطيف أخي النجيب أنه قال يوما: لولا الأكراد وأولاد قرمان وتركمان الروم، دست بخيلي مغرب الشمس.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع