من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الوجه الأوّل (فيما يتعلّق بالقصص)
وهي ترفع إلى ولاة الأمور بحكاية صورة الحال المتعلّق بتلك الحاجة، وسمّيت قصصا على سبيل المجاز، من حيث إن القصّة اسم للمحكيّ في الورقة لا لنفس الورقة. وربما سمّيت في الزمن القديم رقاعا لصغر حجمها، أخذا من الرّقعة في الثوب.
ثم الذي يجب في هذه القصص الإيجاز والاختصار مع تبليغ الغرض المطلوب والقرب من فهم المخاطب، فإنها متى كانت خارجة عن الحدّ في الطول، أدّت إلى الإضجار والسّآمة المنفّرين للرؤساء. وربما كان في ذلك حرمان الطالب ودفعه عن حاجته، إما للإعراض عنها استثقالا، وإما لعدم فهم
المقصود منها لطولها واختلاط بعض مقاصدها ببعض. وأما كونها مبلّغة للغرض المطلوب وفهم المخاطب، فلأنها إذا كانت بصدد الاختصار المجحف والتعقيد، نبا عنها فهم الرئيس ومجّها سمعه، فإما أن يعرض عنها فيفوت على صاحبها المطلوب، وإما أن يسأل غيره عن معناها فيكون سببا لتنزّله عن عزّ الرياسة إلى ذلّ السؤال، وكلاهما غير مستحسن.
وقد جرت العادة في مثل ذلك أن يخلّى من أوّل الورقة قليلا، ويجعل لها هامش بحسب عرضها، ويبتدأ فيها بالبسملة ثم يكتب تحت أوّل البسملة:
«المملوك فلان يقبّل الأرض، وينهي كذا وكذا» إلى آخر إنهائه، ثم يقال:
«وسؤاله كذا وكذا» فإن كان السؤال لغير للسلطان قال: «وسؤاله من الصّدقات الشريفة كذا وكذا» وإن كان السؤال لغير السلطان قال: «وسؤاله من الصّدقات العميمة كذا وكذا». ثم إن كان المسؤول كتابا؛ فإن كان عن السلطان قال:
وسؤاله مثال شريف بكذا وكذا، وإن كان عن غير السلطان قال: «مثال كريم بكذا وكذا» ثم يقول إن شاء الله تعالى، ويحمد الله تعالى ويصلّي على النبيّ ﷺ ويحسبل. وربما كتب «المملوك فلان» بحاشية القصّة، خارجا عن سمت البسملة. وربما أبدل لفظ المملوك بلفظ الفقير إلى الله تعالى.
ويقال حينئذ بدل «يقبّل الأرض» «يبتهل إلى الله تعالى بالأدعية الصالحة» أو «يواصل بالأدعية الصالحة» ونحو ذلك.
وقد جرت العادة في كتابة القصص أن صاحبها إن كان أميرا ونحوه كتب تحت البسملة «الملكيّ الفلانيّ» بلقب سلطانه، مخليا بياضا من جانبيها. على أنه قد تصدّى لكتابة القصص من لا يفرّق بين حسنها وقبيحها، ولا ينظر في دلالتها، ولا يراعي مدلولها. وذلك كسنّة الزمان في أكثر أحواله.
قلت: وقد جرت عادة أكثر الناس في القصص أنه إذا فرغ الكاتب من
كتابة القصّة يقطع قليلا من زاويتها اليمنى من الجهة السّفلى، مستندين في ذلك إلى كراهة التّربيع.
ومن غريب ما يحكى في ذلك أن بعض الوزراء قال يوما بمجلس ...
...... وأنا ولّيت الوزارة رابع ربيع الأوّل سنة أربع وأربعين وأربعمائة- فقال له بعض جلسائه: إن تفاءلت أنت به فقد تطيّرنا نحن به. ولا شكّ أن مستندهم في ذلك التشاؤم بالتربيع في القرآن النّجوميّ، ولا يعوّل عليه. وقد ورد أنّ حوض النبيّ، ﷺ، في القيامة زواياه على التربيع، ولولا أن التربيع أحسن الأشكال لما وضع عليه حوض النبيّ ﷺ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع